دستور نيوز
شفيق طاهر
الجمعة 6 فبراير 2026 – الساعة 15:31
المصدر: المدن
تميل المناقشات السياسية المعاصرة إلى تقديم العلاقة بين الأتراك والأكراد باعتبارها علاقة صراع دائم. لكن العودة إلى التاريخ تكشف صورة أكثر إشراقا.
سيطر مشهد الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني، الذي يمتد لأكثر من نصف قرن، على العلاقة التركية الكردية. وامتدت هذه العلاقة لأكثر من ألف عام، وتخللتها فترات من التعاون والتحالف وتوترات وثورات.
فالتعاون قاعدة قديمة، وليس استثناءً عابراً
منذ العصر السلجوقي، تشابكت المصالح بين القوى التركية الصاعدة والكيانات الكردية القائمة في شمال بلاد ما بين النهرين وشرق الأناضول. احتاجت الإمبراطوريات إلى دعم محلي لضمان مرورها واستقرارها، بينما احتاجت الإمارات الكردية إلى تحالفات لحمايتها في بيئة تتنافس عليها قوى متعددة. ولذلك تشكلت تفاهمات سياسية وعسكرية متكررة، خاصة في لحظات التحول الكبرى.
تبرز معركة ملاذكرد عام 1071 بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية السلجوقية كأساس للدولة القومية التركية، وتشير المصادر التاريخية إلى مساهمات قوى متعددة داخل المعسكر السلجوقي، بما في ذلك القوات الكردية التي لعبت دورًا مهمًا في القتال.
لكن هذه المشاركة الكردية لم تؤسس بالضرورة لعلاقة متساوية على المدى الطويل. وتحرك السلاجقة، كقوة توسعية، بمنطق التوسع، في حين كانت العديد من الكيانات الكردية أكثر ميلا إلى الاستقرار وإدارة مناطقها باعتبارها مناطق ذات توازنات خاصة. ومع ذلك، ظل التعاون قائما كلما ظهر تهديد مشترك.
التحالف العثماني الكردي ونموذج الحكم الذاتي
وصلت العلاقة التركية الكردية إلى أحد أهم معالمها في القرن السادس عشر، عندما واجه العثمانيون صعود الصفويين. ثم تم تشكيل تحالف استراتيجي بين السلطنة العثمانية والإمارات الكردية المتعددة، يقوم على مبدأ الولاء السياسي والعسكري للدولة المركزية مقابل الحفاظ على الحكم المحلي في عدد كبير من الإمارات. وبهذه الصيغة تحولت مناطق كردستان إلى حزام استقرار في مواجهة النفوذ الصفوي، فيما حصلت النخب الكردية على مساحة للإدارة الذاتية والاعتراف بخصوصيتها.
ويظهر هذا النموذج أن العلاقة لم تكن مبنية دائما على الضم القسري وحده، بل على ترتيبات تفاوضية تعطي الأطراف حوافز متبادلة. لكن هذه الترتيبات حالت دون ظهور مركز سياسي كردي موحد قادر على إدارة المصالح الكردية ككتلة واحدة، وهو ما جعل الأكراد في كثير من الأحيان معتمدين على الدولة المركزية، ودفعوا ثمن الحروب الإمبريالية دون امتلاك الأدوات اللازمة لتحديد مصيرهم السياسي.
التآكل التدريجي للتحالف
ومع القرن التاسع عشر، بدأت السلطنة العثمانية تتجه نحو المركزية وإلغاء الامتيازات المحلية في مختلف المناطق، بما في ذلك الإمارات الكردية. ومع تفكيك هذه الإمارات، ظهر فراغ السلطة، والصراعات المحلية، والاحتكاكات الاجتماعية والدينية.
رغم ذلك، عاد شكل من التحالف في أواخر العهد العثماني من خلال سياسات اعتمدت على توظيف زعماء محليين وعشائريين ضمن أنظمة أمنية شبه نظامية، ما خلق واقع الولاء للسلطان أو المركز، مقابل التنافس مع الإدارات الحديثة.
وشارك الأكراد، الأتراك العثمانيون، في مقاومة قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى في إطار الدفاع عن أراضي الدولة العثمانية على عدة جبهات. وشاركت في القتال وحدات من الجيش العثماني وتشكيلات كردية محلية، وكان للأكراد حضور ملحوظ، خاصة على جبهة القوقاز وشرق الأناضول، حيث دارت معارك قاسية ضد التقدم الروسي وحلفائه، وكذلك في مناطق بلاد الرافدين حيث واجهت القوات العثمانية التقدم البريطاني. وعلى الرغم من تباين الدوافع بين الولاء للدولة والدفاع عن الأرض ومصالح القادة الأكراد المحليين، إلا أن مساهمة كلا الطرفين شكلت جزءاً من الجهد العسكري الذي سعى إلى إبطاء اختراق الحلفاء للأراضي العثمانية وإرباك خطوطهم.
الدولة القومية وتمزق القرن
تعتبر لحظة تأسيس الجمهورية التركية (1923) نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين الأتراك والأكراد. وكان منطق الدولة القومية الحديثة يقوم على إنتاج هوية واحدة للدولة والمجتمع، مما أدى إلى تهميش الهويات غير التركية، وخاصة الهوية الكردية. لم يعد الخلاف حول مساحة الحكم المحلي أو الشراكة ضمن إمبراطورية متعددة، بل حول الاعتراف بالوجود واللغة والحقوق السياسية. ومع سياسات الإنكار والقمع التركية، التي أعقبتها انتفاضات كردية وقمع شديد، تراكمت ذاكرة المواجهة التي شكلت وعي الطرفين على مدى عقود.
وفي هذه المرحلة أيضًا، تمت إعادة كتابة التاريخ التركي. وبدلا من تقديم القرون السابقة كسلسلة من الشراكات والتحالفات المتغيرة، غالبا ما تم تصويرها وفقا لروايتين متعارضتين، الأولى رواية رسمية تسلط الضوء على الهوية التركية باعتبارها الأصل الوحيد للدولة والتاريخ، والثانية رواية كردية ترى في التجربة السابقة شكلا من أشكال الهيمنة التي انتهت بالخيانة السياسية للجمهورية.
إن العلاقة التركية الكردية ليست قصة صراع مستمر، ولا قصة تحالف دائم. إنه تاريخ تقاطع المصالح والتحالفات، تتخلله لحظات طويلة من التفاهم، ثم لحظات قطيعة قاسية.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#تاريخ #التحالفات #التركية #الكردية #صوت #لبنان #صوت #لبنان
تاريخ التحالفات التركية الكردية – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – تاريخ التحالفات التركية الكردية – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
