دستور نيوز
علي عيد
في القضايا الكبرى التي هزت العالم، مثل فضيحة تسريب وثائق جيفري إبستين، يتضح الدور الكبير الذي تلعبه الصحافة بشكل عام، والصحافة الاستقصائية بشكل خاص، في مواجهة الفساد الأخلاقي والتجاوزات.
وفي حوادث مهمة في التاريخ المعاصر، لعب الصحفيون دورًا بارزًا في كشف وإعلام الرأي العام بالتفاصيل التي سعت المؤسسات والمنظمات إلى إخفائها بشتى الطرق، كما حاولت إدارات الإعلام تجاهلها تحت ضغط المعلنين أو الرقابة.
ومن الأمثلة على ذلك حالة الكنيسة الكاثوليكية، التي كشفت عن اعتداءات جنسية على آلاف الأطفال من قبل قساوسة في مدينة بوسطن الأمريكية، وهو ما عملت عليه صحيفة بوسطن غلوب، من خلال سلسلة من التحقيقات والتقارير التي أطلق عليها “الإساءات في الكنيسة الكاثوليكية”، كاشفة عن تجاوزات أخفتها الكنيسة وامتدت لعشرات السنين.
ولا ننسى فضيحة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1974، والمعروفة باسم «فضيحة ووترغيت»، وتسريبات «واشنطن بوست» حول وثائق حرب فيتنام.
ومن سلسلة التحقيقات التي أثرت العالم، وشكلت نقطة تحول على طريق المساءلة، كانت تسريبات «أوراق بنما»، التي كشفت من خلال تحقيق صحفي تورط نحو 140 زعيما سياسيا حول العالم في تهريب أموال من بلدانهم إلى الملاذات الضريبية.
عادت الصحافة هذه المرة لتهز الرأي العام العالمي، كاشفة عن ملفات جيفري إبستين التي صدرت في فبراير/شباط 2026، حيث نشرت السلطات الأمريكية نحو ألفي مقطع فيديو وأكثر من 180 ألف صورة، مع تأكيد السلطات أن ذكر الأسماء لا يعني بالضرورة ارتكاب أي مخالفات قانونية.
تتعلق الوثائق السرية بأنشطة النخب السياسية ورجال الأعمال والعائلات المالكة في أوروبا وحول العالم.
ويعود الفضل إلى الصحافيين المثابرين، ومن بينهم، وحتى أهمهم، جولي ك. براون، التي دأبت على فتح تحقيق إعلامي وقانوني ضد إبستين بين عامي 2018 و2019، بعد أن تستر القضاء والنيابة العامة على المعلومات لنحو 15 عاما.
فكرة النبش، التي غالباً ما تؤدي إلى تقشير البصلة وكشف طبقاتها بشكل عكسي، تنطبق على التحقيقات والفضائح الكبرى، بما في ذلك قضية إبستاين.
وفي مواجهة الصمت أو الإسكات بشتى الطرق، فإن الصحافة الاستقصائية موجودة، ولها صحفيوها العنيدين، الذين يواجهون سلطة السياسة والمال من خلال تسخير المحامين والتسويات المالية واتفاقات السرية لقتل القصص، وإخفاء الضحايا والجرائم.
فالصحافة الجادة تقاوم محاولات إغلاق القضايا وإعادة تذكرها ونشرها، وتمنعها من التحول إلى أخبار قديمة. وهذا الضغط المستمر يجبر المؤسسات على التحرك، ويحول القصص الفردية إلى قضية عامة، كما حدث مع العديد من الشهادات في ملف إبستين.
نشرت الصحفية جولي براون (مواليد 1961) سلسلة تقارير حول هذه القضية بعنوان “انحراف العدالة” في صحيفة ميامي هيرالد.
قام الصحفي براون بالتعمق في آلاف الوثائق الرسمية وسجلات المحكمة وملفات الشرطة وأصر عليها وفحصها. ولم تكتف بذلك، بل بحثت عن شهود وحصلت على إفادات من نحو 60 ضحية، من بينهم ثماني فتيات عرضت تجاربهن على وسائل الإعلام.
انكشفت محاولات إبستين للإفلات من العقاب باستخدام المال والعلاقات السياسية والثغرات القانونية بفضل الصحافة الاستقصائية والصحفية براون وزملائها، مثل فيكي وارد، التي حاولت نشر تقرير في مجلة يضم شهادة ضحيتين، ولم ينشر تحت التهديد بالقتل.
وأعود لأذكر نفسي ببعض الصحافيات والصحفيات الشجعان، الذين ضحوا بحياتهم ثمنا لكشف الحقيقة، مثل الأميركية دوروثي كيلغالين التي قتلت بالسم عام 1965، لأنها اطلعت على معلومات مهمة في ملف اغتيال الرئيس جون كينيدي.
والروسية آنا بوليتكوفسكايا التي قُتلت بالرصاص في موسكو عام 2006، بعد إجرائها تحقيقات صحفية حول الانتهاكات الروسية خلال حرب الشيشان.
الصحفية دافني كاروانا غاليزيا، التي اغتيلت بتفجير سيارتها عام 2017، بسبب نشاطها في فضح الفساد والمسؤولين المقربين من رئيس وزراء مالطا.
تراجع دور الصحافة الاستقصائية في الدول التي يتفشى فيها الفساد لا يعني تراجعا في أهميتها. المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق الإعلام عندما يستقيل القانون، ولهذا تتم محاربة صحافة المساءلة وتقييدها.
إن ما قدمه هؤلاء الصحفيون وما يقدمونه هو دليل على أن صحافة المساءلة قادرة على إحداث الفارق، وأنها ستستمر في جر الفاسدين وكبار المجرمين من أطواقهم إلى العدالة والمحاكم… وللحديث بقية.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#إبستين.. #الصحافة #الاستقصائية #عندما #تقشر #البصلة
إبستين… الصحافة الاستقصائية عندما تقشر البصلة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إبستين… الصحافة الاستقصائية عندما تقشر البصلة
المصدر : www.enabbaladi.net
