دستور نيوز
في 9 فبراير 2026
بقلم جميل كامل مروة
وليس مستغرباً أن يضيع لبنان في وقت يموت فيه نظام عالمي ولا يولد أي نظام. لكن الغريب -بل والخطير- هو أننا نتعامل مع تعبئة الدولة وكأنها رد فعل يومي للأزمات، وليس وكأنها مشروع مكتمل الأركان، له حساباته ونطاقه ومراحله ومؤشرات نجاحه وفشله.
أي تاجر عاقل، قبل أن يضع لافتة على متجره، يقوم بدراسة جدوى: التشغيل، التكلفة، المرتجعات… وخمس سنوات على الأقل. كيف يمكننا أن نسهل الأمور على بلد انهارت مؤسساته، وانكسر اقتصاده، وتفككت معاييره؟ مشروع إحياء الدولة اللبنانية ليس خطاباً أو مهرجاناً للوعود، بل هو خطة دولة لخمس سنوات على الأقل – ليس لأننا نحب الأرقام، بل لأن البلد لا يقوم على أمنيات تقال ثم تُنسى، بل على برنامج يُبنى ويراقب ويحاسب.
ثم «المسلَّمة» الأولى في هذا المشروع، قبل الكهرباء والماء والطرق والمدارس، هي استعادة السيطرة على النظام المالي للدولة. ومن لا يتحكم في مالية دولته فهو كمن ينفخ في جحر به ثقب: يتعب ولا يمتلئ شيئا. يمكن إصلاحه هنا واستعادته هناك، لكن ما دامت الخزينة بلا رصيد، والإنفاق بلا معايير، والجباية بلا عدالة، والدورة المالية بلا شفافية، فإن كل «إنجاز» يصبح صورة على الورق، ولا حياة له على الواقع.
لن يقال بعد الآن «نريد الخروج من الفجوة المالية» إذا لم نفهم أبسط شيء في الاقتصاد: الدولة لا تزيد إيراداتها بالقرارات وحدها، ولا بالجبايات وحدها. تنقذ الدولة عندما يتغذى الاقتصاد الإنتاجي، وينتعش العمل، وتفتح أبواب الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة، لا عندما تكتفي بتداول الإيجارات والسكن. لا توجد خطة مالية صالحة بدون اقتصاد منتج. ولا سبيل للخروج من هذه الفجوة دون نمو يخلق الدخل، ومن ثم يخلق القدرة على الاستثمار في مرافق البلد: كهرباء، ماء، اتصالات، موانئ، طرق، مدرسة حكومية… وكل ما يجعل دولة محترمة لأنها تنتجها وتديرها.
مشروع النهضة – وهذه حقيقة لا ينبغي إخفاؤها تحت خطابات الكلام – هو جهد معقد ضمن الأسس الدستورية، يحتاج إلى قائد يرعى ويضمن الاستمرارية، ويمنع البرنامج من أن يصبح لعبة وزارات تتغير، أو مزاج مجالس تتعارض. وهنا دور رئيس الجمهورية: ليس في تفاصيل الإدارة اليومية، بل في الرعاية الاستراتيجية، في حراسة المسار، في ضمان عدم موت الخطة عند أول خلاف. فالرئيس عون -ولحسن حظ الوطن- يتمتع بالكفاءة والخبرة والدراسة التي تؤهله لهذا الدور الرعوي، الذي هو صمام الاستمرارية، وليس زينة البروتوكول.
ومن ناحية أخرى، فإن رئيس الوزراء ليس «مكتب متابعة» ولا «وسيطاً» بين الوزارات المتعارضة. ويعتبر مكتب رئيس الوزراء مركز قيادة تنفيذية، يترجم الاستراتيجية إلى خطط قطاعية، ثم إلى موازنات، ثم إلى جداول التنفيذ، ثم إلى مؤشرات قياس. ورئيس الوزراء – بحكم خبرته في السياسة الدولية، وخبرته القضائية الواسعة، وسلوكه الأخلاقي المشهود – مؤهل للإشراف والإشراف على رسم خطة البدء بالنهضة، وحمايتها من العبث، ومن السوق السياسية، ومن مزاريب المصالح الصغيرة.
ثم إن الحكومة – وهذا يدعو للأمل إذا ما أحسن استغلالها – مؤلفة من وزراء نالوا ثقة المواطن بحكم اتساع خبراتهم واتساع اختصاصاتهم. ولو عمل هؤلاء كفريق واحد، وليس كجزر منفصلة، لكانوا قادرين على رسم مشروع الدولة في كل المجالات التي يتكون منها مشروع النهضة: من المالية العامة إلى الإصلاح الإداري، ومن البنية التحتية إلى التعليم والصحة، ومن بيئة الاستثمار إلى تنظيم السوق، ومن العدالة إلى الأمن. وإذا كانت الأخلاق والرغبة الصادقة في رفعة لبنان حقيقية فيهم، فهذه نعمة لا ينبغي تركها دون نظام عمل صارم يحولها إلى إنجازات ملموسة.
ولكن دعونا نعترف أيضاً: لا الرئيس وحده يكفي، ولا الحكومة وحدها تكفي. مشروع النهضة لا ينتج نفسه تلقائيا. التنسيق بين الرئاسة والوزارة ضرورة لا تعوض، ليس ترفا ولا مجاملة. التنسيق بمعناه العملي: غرفة قيادة مشتركة، وروزنامة المسار الأسبوعية، ورزنامة الإصلاحات، والأولويات المعلنة، وتوازن متابعة لا تحتمل التقصير. لأن الدولة لا تسقط عندما ترتكب خطأ فحسب، بل تسقط أيضاً عندما لا يتفق صناع القرار على “كيف”، و”متى”، و”بأي ترتيب”.
ويبقى مجلس النواب – وهنا موضوع المشكلة الموروثة – من تراث العصر الماضي. وكثير من عاداته في التعاطي مع شؤون البلد لا يزال يتصرف وفق مفاهيم ومعايير لا تنقل لبنان إلى مرحلة النهضة. لكن هذا النمط، مهما تعمق، سيواجه تحديات التغيير إذا واجه مشروعا واضحا للإثارة: مشروع يحرج المعرقل أمام الناس، ويضعه في المسؤولية العامة، ويحول التأجيل إلى فضيحة، وليس إلى «تكتيك» سياسي. المجلس لا يتغير بالوعظ، بل يتغير عندما يكون أمامه برنامج لا يمكن إنكاره، ومؤشرات تفضح من يعرقله، وحاجة شعبية تراقب ولا تصفق.
لذلك، لا يكفي أن نقول إن العالم يقع في الوسط، وأن لبنان يقع في الوسط. وهذا وصف وليس سياسة. السياسة هنا هي تحويل البرزخ إلى معبر: خمس سنوات على الأقل، مع استعادة المالية، مع اقتصاد منتج يتغذى، مع قيادة دستورية ترعى وتنفذ وتنسق، مع حكومة تعمل كفريق، ومع مجلس يدفع إلى المواجهة بمشروع وليس بالشعارات.
لبنان لا يحتاج إلى منقذ. هذه كلمة تُسكر الناس ثم توقظهم على خيبة الأمل. يحتاج لبنان إلى قواعد لمنع تكرار الجريمة: قواعد في المالية، وقواعد في الإدارة، وقواعد في الاقتصاد، وقواعد في صنع القرار السياسي. عندها فقط لا يصبح الأمل قصيدة تُقال، بل مؤسسة يجب بناؤها.
جميل مروة
#إلى #اللبنانيين #الحائرين #مشروع #النهضة #هو #جهد #معقد #ضمن #الأسس #الدستورية
إلى اللبنانيين الحائرين: مشروع النهضة هو جهد معقد ضمن الأسس الدستورية
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إلى اللبنانيين الحائرين: مشروع النهضة هو جهد معقد ضمن الأسس الدستورية
المصدر : www.elsharkonline.com
