دستور نيوز
سامي خليفة
الأحد 1 فبراير 2026 – الساعة 21:24
المصدر: المدن
يتطلب النمو السريع للذكاء الاصطناعي مراكز بيانات قوية للغاية، والتي تولد كميات هائلة من الحرارة التي تفقدها البيئة ولا يتم استخدامها. لكن هذا المشهد بدأ يتغير مع اعتماد نهج يقوم على نقل الحرارة الزائدة لمراكز البيانات إلى نظام التدفئة المركزية، وهو عبارة عن شبكة من الأنابيب المعزولة تمتد من مركز البيانات وتوزع على عدة مباني في المدن والقرى المجاورة. انتقلت العديد من الدول وبعض شركات التكنولوجيا إلى ابتكارات تحول ما كان يعتبر في السابق عبئا -الكميات الهائلة من الحرارة التي تنتجها الخوادم- إلى ميزة لتدفئة المنازل.
الاستفادة من مراكز البيانات
نظرًا لطبيعة الديناميكا الحرارية، يتم تحويل كل جول من الطاقة التي يتم ضخها عبر الكمبيوتر تقريبًا إلى حرارة بشكل أو بآخر. صحيح أن كمية الحرارة التي تولدها أجهزة الكمبيوتر الشخصية صغيرة نسبيا ولا تكاد تكفي لتدفئة يديك، لكن صفوف الخوادم التي يتكون منها مركز البيانات تولد حرارة عالية تتطلب إجراء مكلفا للتبريد، وهي كافية لتمنحنا إنجازا هندسيا كبيرا يتجسد في تدفئة المنازل.
تنتج مراكز البيانات كميات كبيرة من الحرارة، ولسوء الحظ كانت هذه الطاقة الحرارية تتبدد في كثير من الأحيان في الهواء. ومن عجيب المفارقات أن مراكز البيانات المبتكرة اليوم تعيد استخدام الحرارة في أنظمة الطاقة المركزية، وهي عبارة عن شبكات تحت الأرض من الأنابيب المعزولة التي توفر الماء الساخن، والبخار، والمياه المبردة لعدد كبير من المباني القريبة.
وبالتالي، بدلاً من حرق الوقود لتوليد هذه الحرارة، يتم استخدام الحرارة المنبعثة من مراكز البيانات أثناء معالجة البيانات أو الذكاء الاصطناعي أو البث المباشر في أنظمة التدفئة المركزية، ويتطلب التوصيل الحراري مسافة قصيرة بين الخوادم ومنازل المستفيدين، حيث أن نقل الحرارة لمسافات طويلة مكلف ويقلل من كفاءته.
بالإضافة إلى مد الأنابيب، يتم استخدام محطات التبادل الحراري والمضخات الحرارية لتكييف درجة الحرارة مع احتياجات المنازل. إن إعادة استخدام الحرارة تقلل من الاعتماد على مصادر التدفئة الأخرى، مما يقلل من الانبعاثات في المناطق الباردة. كما أنه يساعد على استقرار التكاليف، وتحويل المنتج الثانوي الحتمي للنشاط الرقمي إلى عامل مفيد.
أنظمة الطاقة المركزية
في معظم الحالات، تكون مراكز البيانات متصلة بأنظمة الطاقة المركزية الموجودة في المناطق الحضرية. ومع ذلك، بدأ بعض صانعي السياسات في البلدان المتقدمة في التفكير في إنشاء أنظمة طاقة مركزية جديدة في المناطق التي تشهد توسعًا كثيفًا لمراكز البيانات.
هناك نوعان من مراكز البيانات المتوافقة بشكل خاص مع أنظمة الطاقة المركزية والحرارة والتوليد المشترك للطاقة. توجد مراكز بيانات حضرية صغيرة يتراوح استهلاكها للطاقة بين 10 و20 ميجاوات، وتقع في المدن، وغالبًا ما تخدم العديد من مستخدمي البيانات المحليين.
يتم إنشاء مراكز البيانات الضخمة القابلة للتطوير بشكل فائق، والتي يتراوح استهلاكها للطاقة من 100 ميجاوات إلى 1 جيجاوات، في مواقع نائية لخدمة مستخدم واحد، مما يتطلب إمدادات طاقة قوية وموثوقة. يمكن لنظام الحرارة والطاقة المدمج، والذي يشتمل على توربين غازي ووحدة تخزين الطاقة الحرارية ومبرد الامتصاص، أن يعمل كنظام طاقة مركزي لمركز بيانات كبير أو مجموعة من مراكز البيانات.
دول في المقدمة
وتمتلك الولايات المتحدة أكبر عدد من مراكز البيانات في العالم، حيث أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية مؤخرا أن هذه المرافق سترفع استهلاك البلاد من الكهرباء إلى مستويات قياسية هذا العام. إلا أن الولايات المتحدة ليست في طليعة الدول التي اعتمدت تقنية استغلال الحرارة المهدرة من مراكز البيانات. بل إن أوروبا، وخاصة دول الشمال، هي الرائدة في هذا المجال.
مبادرات واقعية
وفي السويد، يجري الآن تنفيذ مبادرة “مجمعات بيانات ستوكهولم” بالشراكة مع القادة السياسيين والصناعيين لتدفئة منازل السكان باستخدام الحرارة المهدرة المتولدة عن مراكز البيانات في المدينة. الهدف هو تشغيل صناعة مراكز البيانات دون إهدار أي حرارة على الإطلاق. وفي فنلندا المجاورة، قام نيبيوس ببناء مركز بيانات مستدام في مانتسالا، والذي يستعيد حوالي 20 ألف ميجاوات/ساعة من الطاقة سنويا، وهو ما يكفي لتدفئة ما يعادل 2500 منزل فنلندي. بالقرب من العاصمة الفنلندية هلسنكي، تواصل شركة مايكروسوفت الأميركية، بالشراكة مع السلطات الفنلندية، بناء «منطقة مركز بيانات» متكاملة، والتي تعتبر بحسب الشركة «أكبر مشروع في العالم لإعادة تدوير الحرارة المهدرة من مراكز البيانات». وبمجرد اكتماله، من المتوقع أن يقوم بتدفئة إسبو، ثاني أكبر مدينة في فنلندا، بالإضافة إلى مدينتين مجاورتين.
وفي أماكن أخرى من أوروبا، نجح مشروع التدفئة في منطقة تالاغت في أيرلندا في توفير 1100 طن من ثاني أكسيد الكربون في عامه الأول من التشغيل، من خلال إعادة توجيه الحرارة المهدرة من مركز بيانات قريب في منطقة الأمازون إلى المباني المحلية. وفي المملكة المتحدة، أعلن عمدة لندن مؤخراً عن خطط لإنشاء شبكة تدفئة جديدة للمناطق في غرب المدينة، ومن المتوقع أن تقوم بتدفئة أكثر من 9000 منزل عبر مراكز البيانات المحلية.
الشركات تقود الابتكار
ومن بين أحدث الشركات التي بدأت في استخدام الحرارة المعاد تدويرها هي شركة ميتا، التي تستخدم الحرارة المهدرة لتدفئة المنازل القريبة في أودنسه، الدنمارك. وتدعي الشركة أن خوادمها ستكون قادرة على تدفئة حوالي 6900 منزل في المنطقة. وتتبنى شركتان أخريان على الأقل لديهما مراكز بيانات في الدنمارك استراتيجيات مماثلة. تقوم شركة الأزياء السريعة H&M بتوزيع الحرارة المهدرة على المنازل المجاورة منذ عام 2013، ولديها خطط لبناء مركز بيانات جديد بقدرة 1 ميجاوات قادر على تدفئة ما يصل إلى 2500 شقة عند تشغيله بكامل طاقته. كما تقوم شركة أبل الأمريكية ببناء مركز بيانات في البلاد، وتخطط لتشغيله بالكامل باستخدام الطاقة المتجددة، واستخدام الحرارة المهدرة لتدفئة مباني المكاتب القريبة.
وتتعاون شركة “إكوينيكس” الأمريكية، التي تدير 260 مركز بيانات، مع شركات الطاقة المركزية لتصدير الحرارة بهدف تحقيق أهدافها في مجال الطاقة والاستدامة، خاصة في أوروبا وكندا. ويشارك أحد مراكز بيانات الشركة في نظام طاقة مركزي مبتكر في مقاطعة أونتاريو الكندية، والذي كان يعتمد في الأصل على المياه المبردة ونظام التبريد والطاقة الاحتياطية، ويساعد الآن في تدفئة المباني السكنية القريبة وحرم جامعي ومدرستين ثانويتين وحمامي سباحة في مراكز المجتمع المحلي.
وفي مقاطعة تورنتو أيضًا، تقوم شركة الطاقة الكندية “Enewave” بتشغيل نظام طاقة مركزي مبتكر يخدم مركزي بيانات “Telehouse Canada”. تستفيد Innuev من الحرارة المهدرة من هذين المركزين لتوفير التدفئة الخضراء (حلول التدفئة منخفضة الكربون) للعملاء، في حين توفر Telehouse المياه والكهرباء والبنية التحتية، بما يتماشى مع أهداف الاستدامة الخاصة بها، مع تحقيق تكرار كبير في أنظمة التبريد.
إضافة إلى ذلك، تقوم شركة «تيليسيتي» في العاصمة الفرنسية باريس بتدفئة دفيئة تغير المناخ الخاصة بها، والتي تسعى إلى محاكاة الظروف المناخية المتوقعة في فرنسا بحلول عام 2050. كما يقوم مركز بيانات «آي بي إم» في سويسرا بتدفئة حوض سباحة عام قريب.
الفوائد البيئية والاجتماعية
ورغم أن إعادة توجيه الحرارة المهدرة من مراكز البيانات ليس حلا سحريا، إلا أنه خطوة مهمة للدول في ظل التطور الهائل للذكاء الاصطناعي. وفي أحد السيناريوهات المستقبلية، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستهلك مراكز البيانات 3% من الطلب العالمي على الكهرباء بحلول عام 2030، مما يجعل من الصعب تحقيق التوازن بين فوائد الذكاء الاصطناعي وآثاره الجانبية على المناخ.
يوفر استغلال الحرارة المهدرة سلسلة من الفوائد التي لها تأثير مباشر على البيئة والحياة الحضرية. فهو يقلل من استخدام الوقود الأحفوري للتدفئة، ويقلل من البصمة الكربونية المحلية، ويحول الحرارة المهدرة إلى مورد، مما يتجنب الخسائر ويحسن أداء مراكز البيانات.
توفر الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات للمنازل والمباني المتصلة بالشبكة مصدرًا ثابتًا للحرارة يكون أقل اعتمادًا على تقلبات سوق الطاقة. تم دمج هذه المشاريع في الخطط الإقليمية للحد من انبعاثات الكربون وتعزيز أشكال جديدة من التدفئة الحضرية.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#أدوات #تشغيل #الذكاء #الاصطناعي #وسيلة #لتدفئة #المنازل #صوت #لبنان #صوت #لبنان
أدوات تشغيل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتدفئة المنازل – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – أدوات تشغيل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتدفئة المنازل – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
