.

اراء و اقلام الدستور – سوريا.. لا توجد امرأة حامل لمشروع التحول الديمقراطي

سامر الشخشير8 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – سوريا.. لا توجد امرأة حامل لمشروع التحول الديمقراطي


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

ويخطئ من يظن أن التحول الديمقراطي يمكن أن يكون قراراً سياسياً من أعلى، أو شعاراً يُرفع في لحظة سياسية عابرة، أو استجابة شكلية لضغوط خارجية.

إن التحول الديمقراطي مسار تاريخي معقد لا يمكن تأسيسه أو بنائه في فراغ. بل إنه يتطلب دعماً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً وقانونياً حقيقياً، يشكل في مجمله الأرضية التي تسمح لهذا التحول بأن يولد وينمو ويترسخ. لكن للأسف، في الحالة السورية، تبدو هذه الدعمات حتى اللحظة غائبة أو مدمرة أو مشوهة إلى حد يجعل الحديث عن مشروع التحول الديمقراطي أقرب إلى التمني منه إلى السياسة الحقيقية.

والحامل الاقتصادي هو أول هذه الناقلات، إذ لا ديمقراطية دون اقتصاد قادر على ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطنين، ولا مشاركة سياسية حقيقية في ظل الفقر المدقع وانعدام الأمن المعيشي. وكما هو معروف فإن الاقتصاد السوري اليوم في حالة يرثى لها. إنها منهكة، مشلولة، ومرتكزة في جوهرها على الزبائنية وشبكات الفساد المنتشرة والمتشعبة مثل أذرع الأخطبوط، وعلى أثرياء الحرب الجدد الذين راكموا ثرواتهم من الدمار. التهريب والاحتكار.. هذه البنية الاقتصادية لا تنتج طبقة وسطى مستقلة، بل تنتج التبعية والخوف والتبعية. وفي ظل هذا الاقتصاد يتحول المواطن من فاعل سياسي محتمل إلى فرد منشغل حصراً بالبحث عن لقمة العيش، فاقد القدرة على التفكير في الشأن العام أو المطالبة بحقوقه السياسية.

والناقل السياسي بدوره غير موجود. ولا يزال العمل السياسي في سوريا مؤمماً ومصادراً بالكامل لصالح السلطة وحدها. فلا أحزاب، ولا تعددية سياسية، ولا تنافس سلمي على السلطة، ولا تداول لها. تتم مصادرة الفضاء العام بشكل كامل لمصلحة جسم سياسي أنشأته السلطة ليكون بمثابة حزب مقنع ومقنع يستنسخ تجربة نظيره «البعث» الذي تم تقديسه قائداً للدولة والمجتمع. وفي ظل هذا الواقع لا يمكن الحديث عن انتقال ديمقراطي لأن السياسة نفسها فارغة من معناها. يقتصر الأمر على إدارة الولاءات، وليس تمثيل المصالح أو صياغة البرامج العامة.

والدعم الاجتماعي بدوره، الذي من المفترض أن يكون الرافعة الأعمق لأي تحول ديمقراطي، ليس هشاً فحسب، بل متضرراً ومحطماً تماماً. لقد خرج المجتمع السوري من سنوات طويلة من العنف والحرب مثقلاً بكل أشكال الانقسامات الطائفية والمناطقية والعرقية والقبلية، وتآكلت وتضررت الروابط الوطنية الجامعة، وتراجعت فكرة المواطنة على حساب الهويات الفرعية التي لجأ إليها الأفراد بحثاً عن ملاذات آمنة تشكل، حسب معتقدهم، طوف حياتهم… مجتمع بهذا القدر من التشرذم لا يمكن أن يكون حاملاً لمشروع ديمقراطي، لأن الديمقراطية تفترض الحد الأدنى من المستوى والثقة المتبادلة والشعور بالمصير المشترك، وكلها ما زالت مفقودة.

أما المجتمع المدني الذي يُعتمد عليه كثيراً في أدبيات التحول الديمقراطي، فإن وضعه في سوريا لا يقل إشكالية، لأن معظم منظمات المجتمع المدني الموجودة اليوم تعاني من هشاشة بنيوية، ويغلب عليها الشعارات والارتجال، وهي في أغلب الأحيان لا تنطلق معظم برامجها من الاحتياجات الفعلية للمجتمع، بقدر ما تكون استجابة لظروف الجهات الممولة وبرامجها وأولوياتها. ويتحول العمل المدني في هذه الحالة من أداة للتمكين الاجتماعي إلى وسيلة لتأمين التمويل والاستدامة المؤسسية الرسمية المنفصلة عن الواقع الاجتماعي. واحتياجاته وضرورات تطوره، وبالتالي يصبح غير قادر على خلق تأثير تراكمي على الوعي أو على البنية الاجتماعية.. وبالتالي فإن الناقل الثقافي والمعرفي، الذي ربما يكون الأخطر والأعمق، وبعد عقود من الاستبداد وعقد ونصف من الحرب، لم يشهد المجتمع السوري تحولات جدية في بنيته الفكرية والثقافية. بل على العكس من ذلك، انغلقت على نفسها، وبدأت في اجترار تراث مجتمعي وديني مثقل بالأوهام، واستعادة أنماط تفكير غير مرئية ترفض النقد، وتخشى العقل، وتبحث عن اليقين المغلق. لا شك أن القيم الديمقراطية في مثل هذه البيئة لا تجد التربة اللازمة والكافية للنمو.

ولا تقل بؤساً عن غيرها من الحوامل القانونيات، التي تعاني بدورها من التقادم الشديد والسخافة الواضحة. النظام القانوني السوري لم يُبنى أصلاً لخدمة المواطن أو لحماية الحقوق والحريات، بل صيغ ليكون أداة رقابة وضبط بيد السلطة. فالقوانين لا تؤدي وظيفة تحسين المجتمع بقدر ما هي رد فعل جبان لتراكمات العادات والتراث الاجتماعي المعيب. وحتى في ظل وجود قوانين صالحة تلبي احتياجات المجتمع ورقيه، فإن غياب مبدأ سيادة القانون عمليا يجعل عبارة “دولة القانون نكتة مريضة، وبالتالي تصبح الديمقراطية بلا أسنان، لأن الحقوق تبقى نصوصا بلا آليات حماية”.

مشروع التحول الديمقراطي في سوريا ليس مستحيلاً من حيث المبدأ، لكنه سيكون كذلك طالما غاب حاملوه. إن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع، ولا دستورا مكتوبا على عجل، ولا انتخابات تجرى على أنقاض مجتمع ممزق. إنه طريق طويل يبدأ بإعادة بناء الإنسان والاقتصاد وبنيات المجتمع المعرفية والثقافية والقانونية. وما لم يتم العمل على معالجة هذه العيوب البنيوية العميقة، فإن الحديث عن التحول الديمقراطي سيظل مجرد خطاب جميل، لكنه منفصل عن الواقع وغير قادر على إحداث أي تغيير حقيقي. المشكلة باختصار هي ليست في غياب الرغبة المعلنة في الديمقراطية، بل في غياب الشروط الموضوعية التي تجعلها ممكنة، وأي قفزة فوق هذا الواقع لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نموذج جديد من الفشل لا أكثر.

#سوريا. #لا #توجد #امرأة #حامل #لمشروع #التحول #الديمقراطي

سوريا.. لا توجد امرأة حامل لمشروع التحول الديمقراطي

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – سوريا.. لا توجد امرأة حامل لمشروع التحول الديمقراطي

المصدر : www.enabbaladi.net

.