.

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_بركة البال

سامر الشخشير8 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_بركة البال


دستور نيوز

في 6 فبراير 2026

المهندس بسام برغوت
العقل من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، وميزه عن سائر المخلوقات، ومن خلاله يستحق التكليف والمسؤولية والخلافة في الأرض. فهي أداة الفهم والفهم، والوسيلة التي يعرف بها الإنسان الحق من الباطل، والخير من الشر، وهي النور الذي يهدي صاحبه في طريق حياته. وبدونها يفقد الإنسان جوهر إنسانيته، وتتعطل قدرته على أداء رسالته في هذا الوجود.
لقد أكرم الله الإنسان العقل كثيرًا، وجعله أساس الحساب والثواب والعقاب. فلا تكليف دون سبب، ولا مسؤولية دون وعي. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بقوله: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» مما يدل على أن العقل أصل الوجوب، وبدونه تسقط المسؤولية. وهذا يوضح بوضوح مكانة العقل في الإسلام وأهميته في حياة الإنسان.
ويظهر أثر بركة العقل واضحا في جانب الإيمان والاعتقاد، فالعقل هو الطريق إلى معرفة الله تعالى من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، والنظر إلى آيات الكون والنفس. العقل السليم يقود صاحبه إلى الإيمان بوحدانية الله وعظمته. وقال تعالى: «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب» (سورة آل عمران). كما يدعو القرآن الكريم إلى استخدام العقل والتفكر. قال الله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (سورة محمد). فالإيمان لا يقوم على التقليد الأعمى، بل على الاقتناع العقلاني والتأمل الواعي.
ولا يقتصر دور العقل على تثبيت الإيمان فقط، بل يمتد إلى تهذيب سلوك الإنسان وتقويم أخلاقه. والعقل هو الذي يضبط الشهوات، ويمنع الانسياق إلى الأهواء، ويدفع الإنسان إلى التفكير في عواقب أفعاله. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم الناس على محاسبة أنفسهم وضبط سلوكهم، فقال: “الكيس من أخضع نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع هواه وهواه على الله”. والحديث يدل على أن العاقل من استخدم عقله في تهذيب نفسه والاستعداد للآخرة، وليس من اتبع هواه دون تفكير.
وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة التقليد الأعمى، فقال: “لا تكن أحمقا، فتقول: إذا أحسن الناس أحسنا، وإذا أساءوا ظلمنا، ولكن طمئنوا أنفسكم أن الناس إذا أحسنوا أحسنوا، وإذا أساؤوا لا تظلموا”. ويؤكد هذا الحديث أن العقل السليم هو الذي يحكم تصرفات الإنسان، ويجعله قادرا على التمييز بين الحق والباطل، ولا ينقاد لسلوك الجماعة دون وعي.
فكما أن نعمة العقل هي أساس بناء الفرد والمجتمع، فإنه بالعقل تبنى الحضارات، وتتطور العلوم، وتحقق الإنجازات. لقد اهتم الإسلام بالعلم اهتماما كبيرا لأنه غذاء العقل وسبب نضجه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». العلم يوسع مدارك العقل، ويجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم دينه ودنياه، ويساهم في نهضة المجتمع واستقراره.
في حياة الإنسان اليومية، يلعب العقل دورًا محوريًا في اتخاذ القرارات الحاسمة، سواء في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو التخطيط للمستقبل. فالعقل يمكّن الإنسان من الموازنة بين المنافع والمضار، واختيار ما هو أنسب له. ولذلك فإن حسن استخدام العقل دليل على النضج والحكمة، أما تعطيله أو سوء استخدامه فيؤدي إلى الندم والخسارة. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التسرع وسوء الظن، لما لهما من تأثير سلبي على العلاقات الإنسانية. وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) وهو أمر نبوي يدعو إلى العقل والتثبت قبل إصدار الأحكام.
ومن رحمة الإسلام واهتمامه بسلامة الإنسان أنه دعا إلى حفظ العقل وصونه من كل ما يفسده أو يعطله، فحرم المسكرات وكل ما يغشى العقل، لأنها تفقد الإنسان وعيه ووعيه. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والحجارة رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (سورة المائدة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام). وهذا يدل على أن العقل نعمة يجب المحافظة عليها لأنه أساس صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولا يقتصر تأثير العقل على الجانب الجسدي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي. العقل يساعد الإنسان على فهم نفسه، والتحكم في انفعالاته، والتعامل مع الأزمات بحكمة وصبر. فالإنسان الحكيم أكثر قدرة على التحمل، وحل المشكلات بهدوء، واتخاذ القرارات العقلانية دون انفعال، مما يمنحه الاستقرار النفسي والطمأنينة.
وقد أدان الله تعالى من أهملوا عقولهم ولم يستفيدوا منها، فقال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها) (سورة الأعراف)، مما يدل على أن إهمال العقل وعدم استخدامه في الحق من أسباب الضلال والضياع. ويظهر أثر نعمة العقل أيضاً في قدرة الإنسان على الحوار والتفاهم مع الآخرين، وحل الخلافات بالحكمة، بعيداً عن العنف والتعصب. العقل يدعو إلى احترام الرأي الآخر، والاستماع إلى الحجة والبرهان، وليس الانفعال والاندفاع.
وفي الختام يتضح أن نعمة العقل هي أساس كل خير يصل إليه الإنسان، فهو سبب الإيمان الصحيح، والأخلاق الحميدة، والعلم النافع، والتقدم الحضاري. كلما أحسن الإنسان استخدام عقله في التفكير والتأمل والعمل الصالح، كان تقدمه ونجاحه، وكلما أهمله أو أساء استخدامه، كلما سقط وخسر. ولذلك فإن شكر نعمة العقل يتم باستخدامه فيما يرضي الله وينفع الإنسان والمجتمع، حتى يحقق الإنسان الغاية من وجوده، ويصبح مستحقاً للخلافة في الأرض.
المهندس بسام برغوت

#حديث #الجمعة_بركة #البال

حديث الجمعة_بركة البال

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_بركة البال

المصدر : www.elsharkonline.com

.