.

اراء و اقلام الدستور – الكلمة كالمرآة وليست الرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور العنيد؟

سامر الشخشير7 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – الكلمة كالمرآة وليست الرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور العنيد؟


دستور نيوز

علي عيد

إن إقناع الشخص المختلف العنيد عبر الصحافة ليس معركة كلامية ولا لعبة كسب نقاط، بل هو عمل بطيء ومجتهد، يشبه تفكيك جهاز معقد قطعة قطعة، دون أن تكسره ودون أن يشعر صاحبه أنك تحاول سرقته منه.

خلال سنوات الحرب في سوريا، تم تفكيك المجتمع إلى كيانات وجزر اجتماعية متناقضة، والسبب العميق هو عقود من الظلم وانشغال النظام الحاكم عن بناء الهوية الوطنية.

اليوم، هناك صراع على الهويات، يجري خوضه ضمن صراع أكبر على بناء الدولة، ولأن الثقة مفقودة بشكل تراكمي، يبدو الإعلام في موقف محرج. فكيف يمكن الخروج من هذا النفق، ما دام كل رواية يعتبرها جزء من الجمهور خطابا معاديا وملغيا، وتأكيدا لروايته؟

هل نجح الإعلام في سد هذه الفجوة؟ حدث ذلك لأهداف نبيلة، فيما يتعلق بقضايا مثل اللقاحات والأمراض، وأهداف خبيثة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عرف بـ”Brexit”، وهو ما كشف عنه الفيلم الوثائقي “The Great Hack”، عندما تلاعبت شركتا “Facebook” و”Cambridge Analytica”، المتخصصة في جمع البيانات وتحليلها، بالرأي العام لتحقيق هذا الهدف، في عام 2016.

هل الهدف تحطيم جمجمة الجمهور لتضليله، أم تفتيت عناده السلبي؟ وهنا الجواب يضعنا في معضلة الإعلام الأخلاقي والمسؤول.

تتقاطع العوامل النفسية والغريزية والسياسية والإيديولوجية في صراع الروايات، ومواجهة هذا التحدي أخلاقياً تتطلب أمرين في الإعلام. الأول: فهم وتفكيك طبيعة الصراع. ثانياً: التركيز على الهدف النبيل وهو كسر العناد.

ومن حيث الموقف الشعبي من روايات الحرب، يمكن اعتبار موقف الرأي العام الأمريكي من حرب فيتنام أحد أهم الأمثلة. في البداية، كانت المعارضة الشعبية محدودة، وتم تصوير المعارضة على أنها خيانة.

ولم تبدأ وسائل الإعلام بتبني خطاب «الحرب خطأ» بشكل مباشر، بل نقلت صوراً يومية: توابيت، جنود منهكون، قرى تحترق، تناقضات بين تصريحات البنتاغون والواقع. ولم يتغير الرأي العام فجأة، بل بدأ يشكك في الرواية الرسمية.

كانت لحظة «هجوم تيت» نقطة تحول، لأن وسائل الإعلام قدمت الحدث كما هو، وليس كما قيل إنه ينبغي فهمه. واندلع التعنت الوطني عندما لم تعد القصة متماسكة.

ما يهمنا هنا ليس الحرب، بل آلية تغير الوعي العام والعناد كسلوك اجتماعي يمكن للأحزاب والجماعات والسلطات استغلاله لتحقيق أجندتها. إنهم بحاجة إلى تنشيط المجتمع وتوجيه طاقاته نحو أهدافهم.

هناك قواعد تجري وفقها المعركة الإعلامية ضد العناد، وأول ما يجب فهمه هو أن العنيد لا يقرأ ليقتنع، بل ليحمي موقفه، وعقله في وضعية الدفاع والبحث عن الثغرة، وليس الحقيقة.

وأي لغة مسيئة في وسائل الإعلام، أو محاولة تمرير شعور بالتفوق الأخلاقي من خلال الرسالة، تزيد من صلابة شخصيته.

لا ينبغي للصحافة أن تبدأ بالحجة، بل بخفض مستوى التهديد، من خلال إعادة تعريف ساحة النقاش، ونقل النقاش من الهوية إلى الحقائق، وهي خطوة حاسمة، لأن الهويات تتقاتل، بينما يتم فحص الحقائق ومحاكمتها بعناية.

أكبر الأخطاء هي الدخول من باب “أنا وأنت” (أنا على حق وأنت على خطأ)، والباب الواسع لكسر العناد هو “ماذا نعرف يقينا؟ وعلى ماذا نختلف؟”

البدء في الإشارة إلى نقطة صحيحة أو مبررة في موقف الشخص العنيد يربكه، ويأتي ذلك من خلال الاعتراف الجزئي الذكي، لزعزعة ازدواجية “أنا على حق تمامًا وأنت على خطأ تمامًا”، مما يؤدي إلى اختراق نفسي محدود لكنه ذو قيمة عالية.

ثم يتم استخدام الأسئلة بدلا من الاستنتاجات، والصحافة الجيدة لا تقدم محتوى جافا ومباشرا على شكل “هذا خطأ وهذا صحيح”، بل تتبنى نهج “إذا كان هذا صحيحا فكيف نفسر ما يحدث”.

السؤال يجبر القارئ على إكمال الجملة داخل رأسه، ومن ثم يصبح شريكا في التفكير بدلا من الشعور بالهجوم.

يجب تقديم الأدلة كمرآة للجمهور، وليس كرصاصة تهدده أو تستفزه. وهذا يتطلب الاعتماد على الأرقام والوثائق والشهادات، من دون تبجح أو إسراف من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية. ليس من الضروري أن يشعر الشخص العنيد أنك تحاصره، ودليل منطقي وعلمي واحد، في السياق الصحيح، أفضل من قائمة كاملة.

اللغة حاسمة في الأزمات، ومع عناد الجمهور، لأن كل كلمة اتهام أو سخرية أو وصم أخلاقي تعني التشبث بالمنصب والخسارة المباشرة، والصحافة التي تقنع الطرف المختلف العنيد تكتب لغة هادئة وباردة ودقيقة، والصحفي ليس قاضيا ولا واعظا، بل مهندس الشك الصحي، يعتمد على الحقائق وليس على الشتائم.

لا يمكن تغيير موقف الشخص العنيد الآن. بل يمكن أن يهتز يقينه عندما يتبادر إلى ذهنه سؤال واحد جديد، ويحدث التغيير الحقيقي لاحقًا، عندما يكون بمفرده.

فهو يتطلب مساراً تحريرياً يحترم عقل القارئ ولا يستفزه، قادراً على إعادة تشكيل زاوية النظر ببطء، دون أن يترك آثار كسر، ويتطلب دعم كافة القطاعات، وأولها المجتمع المدني.

وإذا تمكنا من تمرير هذا الأسلوب في الصحافة والإعلام، فهل من الممكن على وسائل التواصل الاجتماعي المنافسة أن نكسر دائرة الإنكار والعنف والتشدد في الموقف؟ هذا هو سؤال المليون دولار هذه المرة.. وللنقاش بقية.

#الكلمة #كالمرآة #وليست #الرصاصة. #كيف #يقنع #الإعلام #الجمهور #العنيد

الكلمة كالمرآة وليست الرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور العنيد؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الكلمة كالمرآة وليست الرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور العنيد؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.