دستور نيوز
خالد المطلق
في لحظة محورية من تاريخ الصراع السوري، يضع الاتفاق على دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري البلاد عند منعطف استراتيجي جديد. بين ضغط الميدان وحتمية السياسة، وقع الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، تفاهماً ينهي سنوات من التوجس، ويفتح الباب أمام استعادة وحدة الدولة. لكن تنفيذ هذا الاتفاق لا يخلو من تحديات كبيرة نظراً للخلافات العميقة التي طالما أعاقت التقارب بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في الماضي، لكن هل يكفي التوقيع الرسمي؟ هل تريد سد فجوة الثقة العميقة والتغلب على تعقيدات دمج آلاف المقاتلين في هيكل عسكري واحد؟
ولم يكن الاتفاق الأخير نتيجة صدفة، بل جاء في ظل تغير الديناميكيات العسكرية والسياسية على الأرض. وشهدت مناطق شمال شرقي سوريا، وخاصة حلب ودير الزور، خلال الأيام القليلة الماضية، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات “قسد”. وأدت هذه الاشتباكات إلى تقدم سريع للجيش السوري مدعوما بقوات عشائرية في مختلف المناطق، ما فرض توازنات قوى جديدة، ووضع “قسد” تحت ضغط كبير. ولا شك أن هذه التطورات العسكرية كانت عاملاً حاسماً في دفع “قسد” للقبول بالاتفاق. الاتفاق دفع القيادي في قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى الاعتراف بأن الحرب “فرضت” عليهم و”خططت لها عدة أطراف”، ما يشير إلى شعورهم بالضغط الذي أجبرهم على التفاوض. وقد ساهمت هذه الضغوط، إضافة إلى الوساطة الأميركية ممثلة بالمبعوث الأميركي توم باراك، في التوصل إلى هذا التفاهم.
وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الاتفاق ليس المحاولة الأولى لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية. وفي آذار/مارس 2025، تم توقيع اتفاق سابق بين الرئيس الشرع وعبدي، يهدف إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة. إلا أن تنفيذ هذا الاتفاق تعثر وتبادل الطرفان الاتهامات بعرقلته. وعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي رافق توقيع الاتفاق، إلا أن الطريق إلى نجاح تنفيذه محفوف بالعديد من التحديات:
1- الثقة المفقودة والتاريخ المعقد
وتعتبر الثقة بين الطرفين عاملاً حاسماً في نجاح الاتفاق. سنوات من الصراع والاتهامات المتبادلة أدت إلى حالة من عدم الثقة. واتهمت قوات سوريا الديمقراطية دمشق بالمماطلة في تنفيذ الاتفاقات السابقة، في حين اتهمت دمشق قوات سوريا الديمقراطية بعدم الجدية بشأن التكامل. إن هذا التاريخ المعقد يتطلب جهدا كبيرا لبناء جسور الثقة.
2- دمج القوات وهيكلية “قسد”
ومن أبرز التحديات كيفية دمج نحو 100 ألف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية (بحسب الأكراد) في الجيش السوري وقوات الأمن. وتنص الاتفاقية على التكامل الفردي بعد التدقيق الأمني. ويثير هذا البند تساؤلات حول مصير القادة العسكريين لقوات سوريا الديمقراطية ودورهم المستقبلي. والسؤال هل سيتم قبولهم في الجيش السوري بنفس الرتب؟ وماذا عن الهيكل القيادي الذي اعتمدت عليه قوات سوريا الديمقراطية منذ سنوات؟ لا سيما أن هناك اختلافات جوهرية بين الهيكلين العسكريين، من حيث البنية القيادية في الجيش السوري، فهو قيادة مركزية تابعة لوزارة الدفاع السورية، أما في “قسد” فالقيادة الذاتية غالباً ما تكون لا مركزية وترتبط بـ”الإدارة الذاتية”. أما الولاء، فالجيش السوري موالي للدولة السورية ورئيسها، أما في “قسد” فالولاء لـ”الإدارة الذاتية” الكردية وشعبها. أما العمليات الأساسية، فمهمة الجيش السوري هي حماية حدود الدولة واستعادة السيطرة على أراضيها، أما مهمة “قسد” فهي محاربة “داعش” وحماية مناطق “الإدارة الذاتية”.
3- الإدارة والمؤسسات المدنية
ويتضمن الاتفاق دمج كافة المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات وهياكل الدولة. وهذا يعني نهاية “الإدارة الذاتية” التي أنشأتها “قسد” في هذه المناطق. والسؤال هنا هو ما مدى سلاسة عملية التكامل الإداري، وكيف سيتم التعامل مع الكوادر الإدارية الحالية في “قسد”؟ وهل سيتم قبولهم ضمن هياكل الدولة السورية دون عوائق بيروقراطية أو سياسية؟
4- سيطرة الدولة على الموارد
ويتضمن الاتفاق تسليم حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية للحكومة السورية. وكانت هذه الموارد مصدراً رئيسياً لتمويل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية. واستعادتها من قبل دمشق ستغير ميزان القوى الاقتصادية في المنطقة بشكل جذري، وقد تثير مقاومة من بعض الأطراف التي استفادت من هذه السيطرة في الماضي.
5- الضمانات الإقليمية والدولية
وطلبت “قسد” ضمانات أميركية لتنفيذ الاتفاق، ويشير وجود المبعوث الأميركي توم باراك إلى دمشق أثناء التوقيع إلى دور دولي في هذا التفاهم. لكن مدى التزام هذه الضمانات وقدرتها على فرض تنفيذ الاتفاق يبقى موضع تساؤل، خاصة مع تغير الأولويات الدولية.
6- موقف الأطراف الإقليمية
ولا يمكن فصل هذا الاتفاق عن المواقف الإقليمية. تركيا، على سبيل المثال، دعت مراراً وتكراراً إلى دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري بعد “تطهيره من العناصر الإرهابية”. ويشدد على ضرورة وضع خريطة طريق وجدول زمني محدد، وهذا الموقف التركي يزيد من تعقيد عملية التكامل، خاصة أن أنقرة تتهم “قسد” بالمماطلة في تنفيذ الاتفاقات، ورحبت السعودية بالاتفاق الذي يعكس الدعم الإقليمي للحلول التي تعزز وحدة الدولة السورية.
وتعتبر عملية دمج عسكريين من “قسد” في الجيش السوري من أكثر جوانب الاتفاق حساسية، إذ يجب أن يتم هذا الدمج “بشكل فردي بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم”، ما يعني أن كل فرد سيخضع لتقييم قد يحدد مصيره. وهذا الإجراء، رغم ضرورته الأمنية، قد يواجه مقاومة من جانب المقاتلين الذين تدربوا وتطوعوا تحت راية “قسد”، وقد يجدون صعوبة في التخلي عن هويتهم العسكرية السابقة. علاوة على ذلك، فإن مسألة «منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية كأصول» تتطلب آليات شفافة. وعادلة لتجنب أي شعور بالتمييز أو الإقصاء. تاريخيًا، غالبًا ما تكون عمليات دمج القوات غير النظامية في الجيوش الرسمية محفوفة بالتحديات المتعلقة بالهيكل التنظيمي والولاءات والتسلسل الهرمي العسكري.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز دور المجتمع الدولي، ويعكس وجود المبعوث الأميركي توم باراك في دمشق وإشادته بالاتفاق اهتمام واشنطن بتهدئة الأوضاع في سوريا. لكن “قسد” تطلب ضمانات أميركية قوية لضمان تنفيذ الاتفاق، خاصة بعد تجربتها السابقة مع دمشق. ويمكن أن تكون هذه الضمانات حاسمة في بناء الثقة وتحفيز “قسد” على الالتزام الكامل ببنود الاتفاق. لكن لا يجب أن ننسى أن التدخلات الخارجية، حتى لو كان هدفها التسهيل، قد تزيد من تعقيد المشهد، فكل طرف دولي له مصالحه وأجنداته الخاصة، مما يجعل تحقيقها صعبا. الاتفاق الكامل على آليات التنفيذ والضمانات.
وإذا تم تنفيذ الاتفاق بنجاح، فقد يكون له آثار بعيدة المدى على الساحة السورية. الأول، تعزيز وحدة الدولة السورية من خلال استعادة السيطرة على الأراضي والموارد ودمج القوى، وهو ما سينهي حالة الانقسام. والثاني هو خفض التوترات العسكرية من خلال وقف إطلاق النار الذي يمهد الطريق لخفض التصعيد العسكري في مناطق الصراع. والثالث هو تأثيره على الحلم الكردي بـ”الإدارة الذاتية”. إن الاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها يعني فعلياً نهاية “الإدارة الذاتية”، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل الأكراد في سوريا. والرابع هو تأثيره على مكافحة الإرهاب، حيث يتضمن الاتفاق التزاما مشتركا بمكافحة تنظيم داعش، وهو ما قد يعزز الجهود في هذا الصدد.
وخلاصة القول، إن الاتفاق على دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري يمثل لحظة مفصلية في الأزمة السورية، ويحمل في طياته آمالاً كبيرة لإنهاء الصراع وتعزيز وحدة البلاد. ومع ذلك، فإن تنفيذها يتطلب نهجا حكيما وشجاعا في مواجهة التحديات التاريخية والعملية. ويعتمد النجاح على قدرة الأطراف على التغلب على انعدام الثقة وتصميم آليات شفافة وعادلة لدمج القوى والإدارات وتأمين ضمانات دولية قوية. الطريق طويل ومعقد، لكن الاتفاق يفتح بابا جديدا نحو مستقبل أكثر استقرارا لسوريا.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#الجيش #السوري #وقوات #سوريا #الديمقراطية. #اتفاق #التكامل #الكبير #وتحديات #بناء #الثقة
الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية.. اتفاق التكامل الكبير وتحديات بناء الثقة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية.. اتفاق التكامل الكبير وتحديات بناء الثقة
المصدر : www.enabbaladi.net
