.

اراء و اقلام الدستور – طالبان بين مركزية السلطة وتآكل التوافق الداخلي – صوت لبنان – صوت لبنان

سامر الشخشير6 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – طالبان بين مركزية السلطة وتآكل التوافق الداخلي – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

شفيق طاهر

الاثنين 26 يناير 2026 – الساعة 16:59

المصدر: المدن

منذ سقوط العاصمة الأفغانية كابول في أغسطس 2021، واجهت حركة طالبان التحدي المعقد المتمثل في الانتقال من التمرد العسكري إلى سلطة حاكمة تدير بلدا يعاني من عزلة دولية وأزمات اقتصادية وإنسانية عميقة. لم يكن هذا التحول سلساً، إذ كان على الحركة التي انتصرت عسكرياً كتحالف واسع من الشبكات والقادة المحليين والتيارات الأيديولوجية المختلفة أن تنتج نموذج حكم متماسك، كشف عن توترات داخلية متزايدة، رغم أنها لم تصل بعد إلى نقطة التفكك التنظيمي الكامل.

وتؤكد تقارير مجلس الأمن الدولي أن حركة طالبان لا تزال تحتفظ بهيكل قيادي مركزي، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار التوترات والانقسامات الداخلية على أسس جغرافية وفئوية وشخصية، وليس فقط على أساس السياسات المعلنة.

تحالف النصر

ولم يكن انتصار طالبان تعبيرا عن رؤية سياسية متماسكة، بل كان نتيجة لتقارب المحاور المؤثرة داخل الحركة. فمن ناحية، برزت شبكة «حقاني» كقوة عسكرية منظمة تشكلت في شرق أفغانستان، وارتبط اسمها، بحسب تقارير دولية وغربية متعددة، بعلاقات مع مؤسسات أمنية باكستانية، ما منحها ثقلاً أمنياً وتنظيمياً مؤثراً. في المقابل، تبلور محور قندهار، المرتبط بالقيادة الدينية والتاريخية للحركة، وعلى رأسها المرشد الأعلى هبة الله أخونزاده، الذي استمد شرعيته من موقعه الديني ودوره المركزي في البنية الأيديولوجية لطالبان.

وعندما أُعلن عن الحكومة المؤقتة في سبتمبر/أيلول 2021، سعت الحركة إلى قلب هذا التوازن داخل هياكل الحكم. وتم تعيين محمد حسن أخوند رئيسا للوزراء، وعبد الغني برادر نائبا له، فيما أسندت وزارة الدفاع إلى الملا يعقوب عمر، وتولت شبكة حقاني وزارة الداخلية عبر سراج الدين حقاني. لكن هذا التوزيع لم ينه التنافس المتأصل بين هذه المحاور، بقدر ما تم تنظيمه مؤقتا ضمن صيغة تقاسم النفوذ، وهو ما عكس حسابات القوة داخل الحركة أكثر مما عبر عن شراكة سياسية متناغمة أو مشروع حكم موحد.

التطرف الاجتماعي كسياسة للحكم

ومنذ منتصف عام 2022، اتجهت القيادة العليا الأفغانية إلى فرض مجموعة واسعة من القرارات الاجتماعية الصارمة، بما في ذلك استبعاد المرأة من التعليم والعمل في المجال العام وتشديد الضوابط الأخلاقية. وجاءت معظم هذه السياسات من الدائرة الداخلية المحيطة بالمرشد الأعلى هيبة الله أخونزاده، الأمر الذي عزز مركزية السلطة وخلق الانطباع بأن الحركة كانت تدار من قندهار أكثر من مؤسسات الدولة في كابول.

ورغم أن هذه القرارات كانت متسقة مع رؤية التيار الأكثر تطرفا، إلا أنها أثارت مخاوف خفية داخل الأوساط الإدارية والأمنية التي كانت تخشى أن يؤدي التطرف إلى شلل مؤسسات الحكم، وتعميق العزلة الدولية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

إن قانون الأمر بالمعروف هو لحظة كاشفة

وشكل إقرار لائحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صيف 2024 نقطة تحول، إذ لم تكن الخطوة مجرد تشديد إضافي، بل محاولة لتدوين رؤية أخلاقية صارمة كسياسة دولة، أعقبتها دعوات متكررة للوحدة ونبذ الفرقة، أصدرتها القيادة العليا نفسها، فيما بدا اعترافا بحساسية المرحلة وأن التماسك الداخلي لم يعد مضمونا تلقائيا. ولم تعكس هذه الدعوات انقساماً معلناً، لكنها كشفت عن فجوة متنامية بين من يرى في التطرف ضمانة لهوية الحركة، وبين من يعتبر أن استمرارها يهدد قدرتها على الحكم.

الإشارات العلنية إلى الخلاف داخل حركة طالبان لم تبدأ في عام 2025، بل سبقتها مواقف مبكرة. ونقل عن سراج الدين حقاني، مطلع العام 2023، تحذيره من احتكار السلطة، وتحذيره من أن تركيز القرار في دائرة ضيقة قد يخلق فجوة مع المجتمع. كما نسب للملا يعقوب في العام نفسه الحديث عن ضرورة تحمل المسؤولية وعدم الطاعة العمياء، وذلك في خطاب وجهه إلى الخريجين العسكريين.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، بثت وسائل إعلام عالمية محتوى تسجيل منسوب لأخوندزاده في قندهار، حذر فيه من أن الصراعات الداخلية قد تهدد مستقبل الإمارة الإسلامية، داعيا إلى حل الخلافات في أطر مغلقة. أهمية هذا التسجيل لا تكمن في كونه اعترافاً بالضعف، بل في اعترافه بوجود توترات تتطلب الاحتواء.

هل تضعف قبضة أخوندزاده؟

ولا تدعم البيانات المتاحة القول بأن سيطرة الملا أخونزاده على الحركة قد انهارت، لكنها تشير بوضوح إلى نمط حكم شديد المركزية يواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على الإجماع الداخلي الذي ميز حركة طالبان. وهذه المركزية المبنية على الشرعية الدينية، تصطدم الآن بواقع الحكم المعقد والمتغير. ويعود هذا التوتر إلى مجموعة عوامل متقاطعة، أهمها التطرف الفكري الذي يقيد هامش المناورة السياسية ويحد من قدرة القيادة على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية.

إضافة إلى ذلك، تشهد الحركة تغييراً واضحاً في بنيتها القيادية، مع صعود جيل أصغر من القادة الميدانيين إلى مناصب تنفيذية وعسكرية مؤثرة. هذا الجيل الذي تشكل وعيه في سياق حرب طويلة ثم وجد نفسه فجأة أمام مسؤوليات الحكم، يظهر حساسية أكبر للقرارات اليومية، وأقل استعدادا لقبول الطاعة المطلقة التي كانت سائدة سابقا. إلى جانب هذه العوامل، هناك ضغوط اقتصادية ودولية مستمرة، ما يؤدي إلى تفاقم هشاشة الوضع الداخلي، لتتحول الاختيارات الأيديولوجية إلى أعباء مباشرة على إدارة الدولة، وعلى علاقة السلطة بالمجتمع، وعلى فرص تخفيف العزلة الخارجية.

لذا فإن الانقسامات داخل طالبان ليست وهماً، لكنها ليست تفككاً وشيكاً أيضاً. وما نراه اليوم هو احتكاك بين المركزية الدينية الصارمة ومتطلبات الحكم العملي لدولة منهكة. إن تماسك الحركة في المستقبل سيعتمد على قدرتها على إدارة هذا التوتر، وليس على إنكاره أو الانزلاق إلى صراع مفتوح. وفي هذا السياق، يظل أخونزاده لاعباً حاسماً، لكن قبضته لم تعد مطلقة، بل تحكمها حسابات الواقع السياسي والاقتصادي الأفغاني.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#طالبان #بين #مركزية #السلطة #وتآكل #التوافق #الداخلي #صوت #لبنان #صوت #لبنان

طالبان بين مركزية السلطة وتآكل التوافق الداخلي – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – طالبان بين مركزية السلطة وتآكل التوافق الداخلي – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.