دستور نيوز
لقد نسي سام
الاثنين 26 يناير 2026 – 12:44
المصدر: الشرق الأوسط
وكان من المرجح أن يكون عام 2026 هو عام إيران بسبب اتساع الاحتجاجات وتصاعد الضغوط الخارجية، رغم أن الحدث الإيراني، على أهميته، يظل حدثا إقليميا تمتد آثاره المباشرة إلى المنطقة. رغم ضخامة المأساة الإنسانية في غزة، إلا أنها تتجه نحو مسارات التسوية، فيما تبدو الأزمة الفنزويلية مقتصرة على إزاحة نيكولاس مادورو وتسوية السلطات مع واشنطن وفق رغبة دونالد ترامب. التحدي الأخطر اليوم يتجاوز كل هذه الملفات: غرينلاند التي أكد ترامب مجددا في خطابه في دافوس رغبته في امتلاكها، وتحويلها من مجرد جزيرة بعيدة إلى مؤشر لمسار أميركي جديد يهدد العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويزعزع الأسس التي بني عليها النظام الدولي منذ 80 عاما.
هل ما نشهده سياسة أميركية ثابتة أم مجرد نهج «ترامب» ظرفي؟ وكيف ينبغي للعالم، وخاصة أوروبا، أن يتعامل معها، كسياسة مؤقتة أو كتحول أميركي طويل الأمد؟ وهذه المعضلة معقدة، لأن أوروبا لا تستطيع أن تقطع علاقتها التاريخية العميقة مع أميركا بسهولة، في وقت تعاني من أزمات متراكمة تجعلها أقل قدرة على صياغة استجابة موحدة وفعّالة. بالإضافة إلى ذلك، هل يستطيع ترامب مواجهة العالم أجمع، بما في ذلك الصين وروسيا والبرازيل والهند وإيران وكندا والمكسيك، واليوم أوروبا، ناهيك عن التناقضات العلنية والخفية في علاقته مع إسرائيل؟
في موازاة ذلك، فإن الداخل الأمريكي ليس خلفية ثانوية. بل يكشف أن النزعة التوسعية في الخارج يصاحبها تطرف داخلي على الهوية: تشديد الهجرة، وبناء دولة أمنية، والتدخل في القضاء والجامعات ومكاتب المحاماة، واستهداف الناشطين. وقد أنتج هذا المسار استقطابا داخليا غير مسبوق، في سياق إعادة تشكيل فكرة أميركا من دولة تقود نظاما دوليا وفق القواعد وسلام القيم، إلى دولة تتعامل مع العالم باعتباره ساحة صراع وموارد تحت شعار «الأقوى يقرر». فعندما تتغير هوية الدولة داخلياً، تتغير السياسة الخارجية تلقائياً.
ويواجه الغرب سؤالاً محرجاً: ما الذي يميز الدول الديمقراطية عن الأنظمة الاستبدادية والمشاريع التوسعية التي طالما أدانتها؟ وعندما يبرر ترامب ضم جرينلاند باعتباره ضرورة أمنية، محذرا من أن البديل هو استيلاء روسيا أو الصين عليها، فهو لا يقدم حجة سياسية فحسب، بل إنه يختبر أيضا حدود النظام الدولي ذاته، ويضع حلف شمال الأطلسي أمام اختبار غير مسبوق، ويختبر قدرة أوروبا على الدفاع عن مفهوم السيادة عندما يأتي التهديد من داخل البيت الغربي.
وهنا تفرض المقارنة مع فلاديمير بوتين نفسها. وأدان العالم روسيا لضمها شبه جزيرة القرم وغزو أوكرانيا لأنها انتهكت السيادة وغيرت الحدود بالقوة. إذا هددت دولة ديمقراطية كبرى بضم أراض لا تنتمي إليها، ولو من خلال الابتزاز الاقتصادي بدلاً من الدبابات، فبأي معيار يستطيع الغرب أن يطالب العالم باحترام القانون الدولي؟ وحينها لن يقتصر النقاش حول نوايا ترامب فحسب، بل حول الاختلاف الأخلاقي والسياسي ومعنى الغرب نفسه. فهل ما زال الغرب يمثل نظاماً تحكمه القواعد، أم أنه أصبح نظاماً براغماتياً يغير المعايير حسب المصلحة؟ فالخطر ليس في القياس بقدر ما هو في سقوط التفوق القيمي الذي اعتمد عليه الغرب لتجريم الغزو الروسي، وفي مهاجمة مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو التهديد، وهو أحد الركائز الأساسية لميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، تصبح جرينلاند أكثر من مجرد أزمة عابرة في العلاقات الأوروبية الأمريكية. وأوروبا، التي اعتادت النظر إلى واشنطن كمظلة أمنية، تجد نفسها في مواجهة إدارة تمارس الضغوط على الحلفاء، وليس الخصوم، وتستخدم الأدوات الاقتصادية والحمائية كوسيلة للإكراه، مثل التعريفات الجمركية والعقوبات والسيطرة على الممرات والأسواق وسلاسل التوريد. إن ترامب يعيد إنتاج الإمبريالية الناعمة. وتفقد الدول تدريجياً استقلالية قراراتها تحت ضغط المصلحة والخوف، فتتراجع الشراكة لصالح منطق الصفقة: من لا ينسجم يعاقب، ومن يعترض يهدد. وهذا ما يجعل جرينلاند أكثر خطورة من مجرد لقب. وهو نموذج لكيفية تجريد السيادة من محتواها دون إطلاق النار.
والأخطر من ذلك أن ذلك يحدث في لحظة هشاشة أوروبية، وأزمات داخلية، وحرب أوكرانيا، وتراجع الثقة في الضمانات الأميركية، وهو ما يجبر القارة على التفكير في الاستقلال الاستراتيجي، لأن التهديد لا يطال العلاقة الثنائية فحسب، بل جوهر النظام الأمني الغربي ذاته، إذ يخشى أن يتحول حلف شمال الأطلسي من مظلة ردع للخصوم إلى أداة للضغط على الحلفاء.
وهكذا تحولت جرينلاند من اختبار لأوروبا إلى معيار لشرعية الغرب. فإذا انهارت فكرة السيادة وأصبحت أمريكا هي الطرف المهدد، فكيف سيقنع الغرب العالم بأنه يدافع عنه في أوكرانيا أو فلسطين أو أي مكان آخر؟ فالخطر لا يكمن في إمكانية ضم جرينلاند، بل في إدراج مبدأ السيادة ذاته في قائمة المبادئ القابلة للتفاوض. وهنا على وجه التحديد تُدفَع أوروبا إلى اختبار وجودي، فهي لن تواجه أزمة مع ترامب فحسب، بل ستواجه لحظة تاريخية. فإما أن تبقى ملحقاً استراتيجياً في عالم تدار فيه التحالفات بالضغط، أو أن تبدأ، ولو متأخراً، في بناء استقلالها كضرورة وجودية وليس كمطمح نظري. ويبقى السؤال: هل تعود أميركا إلى القواعد والقيم التأسيسية، وإلى ميلاد شخصيات تاريخية مثل روزفلت، وترومان، وأيزنهاور، وكينيدي، وبوش الأب؟
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#أزمة #غرينلاند #وإفراغ #السيادة #صوت #لبنان #صوت #لبنان
أزمة غرينلاند وإفراغ السيادة – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – أزمة غرينلاند وإفراغ السيادة – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
