.

اراء و اقلام الدستور – هل تقوم السلطة بغسل أموال وأيدي المجرمين؟

سامر الشخشير2 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – هل تقوم السلطة بغسل أموال وأيدي المجرمين؟


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

هذا السؤال يطرح اليوم بإلحاح لا يمكن تجاهله، كلما أعلنت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» عن تسويات مالية مع شخصيات بارزة من منظومة الفساد في النظام السابق. وبدلاً من أن تكون هذه اللجنة بوابة للعدالة، ووسيلة للمحاسبة العادلة والشفافة، يبدو أنها تحولت إلى أداة لإعادة تدوير الأموال القذرة ومنح شهادات البراءة لمن جمعوا ثرواتهم على أنقاض وطن مدمر، وعلى حساب دماء السوريين وجوعهم وكرامتهم.

ما يحدث في هذا السياق ليس مجرد استرداد الأموال المنهوبة، ولا يمكن اختزاله في خطاب فني مزعوم حول «تحصيل حقوق الدولة». بل إننا أمام عملية أشبه بعملية غسيل أموال كاملة. هذه الأموال لم يتم الحصول عليها عبر مسارات اقتصادية مشروعة، ولا عبر المنافسة العادلة، بل كانت نتيجة منظومة متكاملة من الفساد والامتيازات الاحتكارية والعقود المشبوهة والسرقة المنظمة والنهب المباشر لمقدرات البلاد، كل ذلك تم بحماية ومباركة السلطة السابقة، وبالقوة التي كانت تخنق أي… اعتراض قبل أن يبديه صاحبها.

ولكن الأخطر من غسيل الأموال هو غسل الأيدي الملطخة بالدم. عندما يُسمح لرموز الفساد الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من آلة القمع أو شركائها الاقتصاديين بشراء حريتهم وتبييض صفحات سجلهم، أو منع محاسبتهم مقابل تسوية مالية، فإن الرسالة التي ترسلها السلطة إلى الشعب واضحة وقبيحة وصادمة، تقول فيها إن الجرائم قابلة للتفاوض، والدماء مثمنة، والعدالة مجرد بند تفاوضي على طاولة السلطة المتعطشة للمال.

ولا تمثل هذه التسويات انتهاكا لمفهوم العدالة الانتقالية فحسب، بل هي إنكار واضح لها. إن العدالة لا تقوم على مبدأ “ادفع لتشتري حريتك”، ولا تقوم على تجاهل السياق الذي تم فيه إنتاج الثروة. العدالة تعني المساءلة ومحاسبة المسؤولين وتعويض الضحايا ووضع القوانين وآليات العمل التي تضمن عدم التكرار. أما ما نشهده اليوم فهو اختزال فج لكل ذلك في معادلة مالية باردة تغلق فيها الملفات دون محاكمات ودون أي اعتبار لحقوق الضحايا أو كرامتهم.

إن حاجة السلطة إلى المال، مهما كانت ملحة، لا تبرر هذا المسار. إن الدولة التي تتاجر بحقوق الضحايا وتبيع العدالة بالمال، تعلن إفلاسها الأخلاقي قبل إفلاسها المالي. إن بيع دماء الناس لا يمكن تبريره بحجة إنقاذ الخزينة العامة، ولا يمكن القبول بتحويل معاناة الملايين إلى فرصة للاستثمار السياسي أو المالي. فالأموال التي تأتي عبر هذا المسار لن تشكل أسساً متينة لبناء الدولة، بل تصبح طريقاً لاستمرار الظلم وتمكين أدواته من جديد.

وهذا النهج الذي بدأ بـ«حمشو» وسيستمر مع «الفوز» و«القطان» و«القاطرجي» وغيرهم، سيفتح للمستقبل باباً سيئاً جداً. إذا كان المال قادراً على غسل عار هؤلاء، وتطهير تاريخهم، وإعادتهم إلى الساحة كـ«مواطنين صالحين» بعد تسوية كهذه، فما الذي يمنعنا منطقياً أن نرى يوماً ما صفقة أكبر وأكثر فجاجة ووقاحة تفاجئنا فيها السلطة بعقد تسوية مماثلة مع بشار وماهر الأسد مثلاً، لتغسل ما نهبته من أموال، وغسلت أيديهما من دماء السوريين مقابل بضعة مليارات من الدولارات! لأن تسليع العدالة وكسب المال هو القاعدة التي تجعل كل شيء قابلاً للتنبؤ به وقابلاً للبيع.

ولعل أخطر ما في هذه السياسات ليس ظلمها للضحايا فحسب، بل تأثيرها العميق على وعي المجتمع، لأنها تكرس شعورا عاما بأن الجريمة أكثر ربحية من الامتثال للقانون، وأن الإفلات من العقاب أسهل ما دام لديك الثمن، وأن الدولة لا تختلف جوهريا عن العصابة إلا في الشكل والخطاب، وبالتالي يقوض ما تبقى من ثقة الناس في أي مشروع سياسي أو وطني، ويغلق الباب أمام أي مصالحة حقيقية تقوم على أساس الحقيقة والعدالة والإنصاف.

العدالة ليست ترفاً، ولا مطلباً أخلاقياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الاستقرار. بل هو شرط للاستقرار نفسه، ومن دونه لن يكون ما يُبنى إلا إعادة إنتاج لنفس منظومة الفساد، لكن بوجوه جديدة وربما شعارات مختلفة. أما الضحايا، فسيبقون وقود هذا العبث، وسيطلب منهم الصمت مرة أخرى باسم «الواقعية» و«المصلحة العليا للدولة». وهنا السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تقوم السلطة بغسل أموال المجرمين وتطهير أيديهم المغموسة بدماء السوريين؟ بل يصبح السؤال: إلى أي مدى هي مستعدة للمضي في هذا الطريق، وكم ستبيع من الدماء قبل أن تكتشف أن دولة بلا عدالة ليست دولة، بل هي مشروع سلطة استبدادية مؤجلة للانفجار.

#هل #تقوم #السلطة #بغسل #أموال #وأيدي #المجرمين

هل تقوم السلطة بغسل أموال وأيدي المجرمين؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – هل تقوم السلطة بغسل أموال وأيدي المجرمين؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.