.

اراء و اقلام الدستور – المبدعين لا لزوم لها

سامر الشخشير2 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – المبدعين لا لزوم لها


دستور نيوز

بدلة خطيب

قال الفنان المبدع الكبير زياد الرحباني في إحدى مقابلاته الأخيرة: أشعر أنه لم يعد هناك حاجة لي! جملة مؤلمة. أعتقد أننا، المثقفين، أو أولئك الذين يتصورون أننا مثقفون، بحاجة ماسة إلى التوقف عند ذلك والتفكير فيه، قبل أن يدركنا الموت، كما فعل زياد، ونترك ذكريات الناس، وكأننا لم نكن موجودين هناك.

منذ حوالي عشرين عاماً، عندما عرضت على صديقي الكاتب تاج الدين الموسى فكرة إجراء حوار صحفي معه، فاجأني بإجابة لم أتوقعها. قال: إذن خلاص، أريد الرحيل؟ وظننت يومها أن ما دفع صديقي تاج إلى هذا الاستنتاج هو أنه أصيب بسرطان الرئة في ذلك الوقت، وكان يفهم أن أيامه في الحياة قليلة، وما زاد من شكوكه هو أنني كنت معروفا في عالم الكتابة قبله، والمنطق يقتضي أن يحاورني، وليس العكس! وأذكر أنني في مواجهة ذلك الموقف لجأت إلى التحايل والمراوغة، لإبعاد شبح الموت عنه ولو مؤقتا. المهم أجرينا المقابلة، ونشرتها في جريدة «النور»، وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في العام 2012، رحل عنا، وعمره 57 عاماً.

لكن الفكرة التي طرحها زياد الرحباني قوية وصادمة. يستحوذ على عقل الإنسان ويجعله يفكر فيه باستمرار. وذلك لأننا دخلنا، اليوم، في حقبة مضطربة، بموجات متتالية، تقلب صفحات المبدعين والسياسيين، مهما كانوا لامعين أو مميزين. أتمنى أن يقتصر الأمر على النسيان، فما حدث على أرض الواقع هو أن الأجيال الحالية فقدت احترام المبدعين والمؤثرين وحتى الناشطين. على سبيل المثال، أصبحت راسخة في أذهان الناس. منذ أكثر من مائة عام، أدرك السوريون أن الأشخاص الذين أعدمهم جمال باشا، عام 1916، هم أبطال، أبطال، استشهدوا في سبيل الوطن والقضية، وواجهوا المشنقة وكأنها أرجوحة. لكن من كان يعلم أن حكومة ستأتي تمنع الاحتفال بذكراهم، وتثير الشكوك حول مواقفهم الوطنية؟

خلال سنوات القتل التي بدأت بعد عام 2011، سقط من أعين الكثيرين عدد كبير من المبدعين، الذين كانوا يصنفون بالغين، وارتبطت صفة “الشبح” ببعضهم، واطلقت صفة “خائن” على آخرين، وأفرزت هاتان الصفتان عبارات ساخرة وشتائم لا تقل قسوة عنهما، مثل: هو وأخلاقه مضروب، تافه، منحط، عبيد الحذاء، أو: وكيل مأجور. من مجموعة بترودولار، وأثناء توليهم منصب الزهرية، اتهمهم طرف بدعم الدكتاتور، وطالبهم الطرف الآخر بإعلان موقف واضح من إرهاب الثوار، الذين تدعمهم جهات مشبوهة، بحسب زعمهم.

عندما قال زياد الرحباني تلك العبارة المؤلمة، كان في ذروة تألقه. لقد تغلب على التحدي الأكبر الذي يمكن أن يواجهه الموسيقي الصاعد، وهو أن يكون ابن مدرسة موسيقية كبيرة، أقصد المدرسة الرحبانية، ويمكنه، بعبقرية نادرة، أن يتميز، بصوت فريد في عالم التلحين والغناء والهجاء… وهنا يطرح سؤال: إذا كان العبقري زياد غير ضروري، فماذا عن كتابنا ومبدعينا، وكل واحد منهم لديه مشكلة؟ مبدع، يصل إلى حدود الإعاقة؟

الأمر أكثر من طبيعي: في عصر الثورات والحروب الأهلية والتعصب القومي والديني والطائفي، لم تعد هناك حاجة للمبدعين.

#المبدعين #لا #لزوم #لها

المبدعين لا لزوم لها

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – المبدعين لا لزوم لها

المصدر : www.enabbaladi.net

.