دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
لا يمكن لأي متابع أن يستمع إلى وزير المالية ياسين جابر، خلال رده باسم الحكومة على إقرار الموازنة في مجلس النواب، إلا أن يرفع له القبعة احتراماً لخطابه الهادئ ومنطقه الواضح، في مواجهة موجة شعبوية على أعتاب الانتخابات النيابية.
موجة حاول بعض النواب تمريرها تحت عناوين مطالب كانت محقة في جوهرها، لكنها قدمت من دون رؤية شاملة أو إحساس فعلي بالمسؤولية.
في تلك اللحظة، لم يكن جابر يدافع عن الأرقام والبنود فحسب، بل أيضاً عن مفهوم الدولة نفسها، وعن الحد الأدنى من العقلانية المطلوبة في إدارة بلد في أزمة.
ما قاله لخص بدقة التحديات التي يواجهها في وزارة المالية، وهي في جوهرها تحديات لبنان كله.
وهو يعمل تحت ضغط السؤال المصيري الذي يفرض نفسه يومياً: هل يستطيع لبنان اغتنام الفرصة المتاحة له على الصعيدين العربي والدولي، أم أنه سيعود من جديد إلى سياسات الإنكار والهروب إلى الأمام؟
ومن هذا المنطلق، كانت مواقفه نابعة من قناعة داخلية وضمير حي، وليس من حسابات شعبوية أو خضوع للضغوط الآنية مهما كان حجمها.
وبعد الاضطرابات التي شهدتها الجلسة، أبدى جابر موقفا يشير إلى حرصه على الوطن، عندما اعتبر أن زيادة الرواتب بشكل تعسفي قد تكون “ساعة تخلي”، مضيفا:
“لقد عشنا تجربة سابقة في عام 2017، ورأينا إلى أين وصلت البلاد. لا يمكننا القيام بأي شيء غير مدروس. الموضوع المالي ليس مزحة، ونحتاج إلى وقت لنعرف إلى أين نتجه”.
وهنا، وإذا كان الأمر يذكر، فإن موقفه لا يمكن فصله عن اعترافه الواضح بحقوق الجنود الذين خدموا لبنان وبذلوا دماءهم فداءً للوطن، ولا عن اعترافه بعدالة مطالب موظفي القطاع العام الذين تآكلت رواتبهم وحقوقهم.
لكن ياسين جابر لم يكتف بوصف الحقيقة، بل تحمل مسؤولية كيفية ترجمتها، محذرا من أن الرد غير المدروس، مهما حسنت نواياه، قد يؤدي إلى انهيار مالي جديد، سيدفع ثمنه هؤلاء أنفسهم قبل غيرهم.
وسط هذا المشهد، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي طلب وقف البث المباشر للجلسة، في خطوة ذكية تهدف إلى الحد من بعض المظاهر الشعبوية التي لا تخدم نقاشاً جدياً ولا تصب في الصالح العام.
اعتاد بعض الممثلين قول شيء ما علناً عبر الشاشات، وممارسة العكس بعيداً عن الشاشات.
ولاحظ نبيه بري بدهائه أن البث المباشر للجلسات يساهم في دفعها نحو المزيد من الشعبوية، حتى لو كان ثمن ذلك الإضرار بالوطن، إذ أن مصالحهم الشخصية والانتخابية مقدمة على مصالح الدولة والشعب.
وتظهر ذروة هذا السلوك عندما يلعب بعض النواب الممثلين في الحكومة دور المعارضة من داخلها، ويهددون بعدم التصويت على موازنة تقر في مجلس الوزراء الذي هم أعضاء فيه.
والمشاركة في السلطة التنفيذية تقتضي تحمل مسؤولية قراراتها والدفاع عنها، وليس التنصل منها في أول جلسة برلمانية.
وفي هذه الحالة يصبح الانسحاب من الحكومة خياراً أكثر تماسكاً سياسياً وأخلاقياً من البقاء فيها وممارسة دور مزدوج، لأن الجمع بين الحكومة والمعارضة لا يخدم إلا الشعبوية، ويقوض مبدأ المسؤولية الجماعية، ويثقل كاهل الدولة بتكلفة تناقض لا تستطيع تحمله.
ياسين جابر كوزير للمالية لا يملك ترف إرضاء الجميع. بل عليه واجب حماية الدولة من الانزلاق مرة أخرى إلى خيارات مكلفة دفع ثمنها المواطن سابقاً.
وعبر عن ذلك بوضوح للنواب عندما قال إن الحكومة لم تدعي أن الموازنة مثالية، لكنها موازنة مسؤولة تحمي المكاسب، وحافظت على هامش مالي واحتياطي للطوارئ، وواصلت طريق الإصلاح والتخلص من آثار التركة الثقيلة التي قادت البلاد إلى الانهيار.
واعتبر أن التصويت لها هو تصويت لمصلحة الدولة، فيما رفضها يعني العودة الطوعية للسياسات الفاشلة التي دفع المواطن ثمنها غاليا.
وختم مؤكدا أنه لا خيار للتراجع عن المسار الذي بدأه، داعيا الجميع إلى تحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية دفاعا عن الدولة ومكوناتها.
في هذا الوضع، استطاع جابر أن يكون عادلاً في الاعتراف بالحقوق، وشجاعاً في قول الحقيقة، وصامداً تحت الضغط، وحاسماً عندما يكون الحسم ضرورياً، في وقت أصبحت هذه الصفات نادرة.
ديفيد عيسى
#ياسين #جابر.. #رجل #الدولة
ياسين جابر… رجل الدولة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – ياسين جابر… رجل الدولة
المصدر : www.elsharkonline.com
