.

اراء و اقلام الدستور – حلب… بعد أن سكت السلاح

سامر الشخشير2 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – حلب… بعد أن سكت السلاح


دستور نيوز

أحمد عسيلي

ثم انتهت المعارك في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ودخلت قوات الدولة السورية إلى الحيين بموجب اتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وعاد الهدوء النسبي إلى المدينة بعد أيام من التوتر الذي شهدته البلاد بأكملها. ومن الناحية العسكرية، يمكن النظر إلى ما حدث على أنه نهاية مرحلة محددة جداً من الصراع، أو تسوية مؤقتة فرضتها موازين القوى، دون رضا كامل من أي من الطرفين. لكن الاكتفاء بهذا الوصف يبقى اختزالاً مخزياً، لأن ما يهم فعلاً، كمجتمع وشركاء في وطن واحد، لا يبدأ عندما تتوقف الاشتباكات، بل يمكن القول إنها تبدأ بعد ذلك مباشرة.

فالحرب، بمعناها الأوسع، لم تنته بعد. مشكلة شرق سوريا لا تزال قائمة، واتفاق 10 آذار/مارس ما زال معلقاً دون تنفيذ فعلي، ما يعني أننا أمام احتمال الدخول في مرحلة جديدة من التوتر عسكرياً ونفسياً. وإذا كان دور الأفراد والمجتمع محدوداً في التأثير على المسار العسكري ومنع تدهور جديد، فإن القدرة على التأثير في التداعيات النفسية والاجتماعية تبقى ممكنة، بل ضرورية. وما زلنا في الأيام الأولى بعد هذه المواجهة، وهي مرحلة حساسة جداً، لأن ما يقال فيها، وما يضخ من خلالها. ويساهم الخطاب العام بشكل مباشر في تشكيل مستقبل العلاقة بين الأكراد وبيئتهم الأوسع، وخاصة المكون العربي، ربما بطريقة أعمق وأطول أمدا من تأثير المعركة نفسها.

وتظهر التجارب المرتبطة بالحروب أن الأسلحة قد تصمت سريعاً، لكن جراحها النفسية، خاصة في بدايتها، تبقى في ذروتها. وتبقى الشقوق التي خلفتها المواجهات مكشوفة وحادة ومؤلمة. ويفرض الجرح الجديد نفسه على الأفراد والجماعات، فيسيطر على العقل والتفكير، ليظهر على شكل غضب وتوتر وحساسية مفرطة وإحساس مبالغ فيه بالتهديد. وخلال الأسبوع الماضي، بدأت هذه الأعراض تظهر بشكل واضح، من خلال حوادث اعتداء وتوترات متفرقة لم تقتصر على الجغرافيا. وفي سوريا، انتشر إلى أماكن أخرى، مما يدل على أن الصراع أصبح يحمل نفسياً خارج مكانه الأصلي.

في هذه المرحلة المبكرة، يكون الألم في ذروته، ويكون العقل في وضع دفاعي. لكن ما يثير القلق ليس وجود هذا الألم بحد ذاته، فهو أمر متوقع ومفهوم، بل وضروري لخلق نوع من التوازن النفسي، ولكن المشكلة في طريقة إدارته. الوقت في الظروف العادية يعتني بتخفيف حدة الجرح، ويسمح بالعودة التدريجية إلى صوت العقل، بشرط عدم تثبيت الألم أو تغذيته باستمرار من خلال خطاب ملتهب يعيد فتح الجرح في كل مرة.

واللافت في هذا السياق أن التحريض لم يأت فقط من جمهور مهتاج أو من أصوات هامشية، بل شارك فيه مثقفون وناشطون من الطرفين، مستخدمين لغة ثنائية حادة، تقوم على الاختزال والتعميم، وتحويل مشاعر الخوف والغضب إلى خطاب مبرر. وفي كثير من الحالات، لا يكون هذا الخطاب تعبيراً عن قلق حقيقي على الضحايا أو على المستقبل، بل هو وسيلة لإعادة التموضع، أو بناء دور قيادي، أو معالجة جروح شخصية قديمة تحت ستار قضية عامة.

وفي كل مرة يدفع الثمن الضعفاء، ليس من يكتب البيانات، ولا من يحرض من مسافة آمنة، بل أفراد عاديون يجدون أنفسهم مطالبين بحمل مشاعر عدائية لا تشبههم، والدخول في صراعات لم يختاروها. هؤلاء هم الذين يتحملون العبء النفسي اليومي، ويعيشون بالقلق، ويخافون من أن يتحول الجرح الأخير إلى حالة دائمة، ليس لأن الزمن لم يشفيه، بل لأن الخطاب العام رفض السماح له بالشفاء.

إن ما نشهده اليوم هو موجة عاطفية جماعية، تتقاطع فيها مشاعر الخوف والغضب والشعور بالتهديد والكرامة الجريحة. وهو جزء طبيعي من تداعيات أي صراع مسلح. لكنها بطبيعتها مؤقتة، وخطورتها لا تكمن في حدتها، بل في السماح لها بالتحول إلى مرجعية ثابتة للمواقف، أو إلى أساس دائم للحكم على الجماعات.

عندما يفقد الفرد قدرته على التحكم في انفعالاته، ويترك الغضب يحدد موقفه، يبدأ التدهور النفسي. ومن ثم، لا يعود الصراع سياسيًا أو اجتماعيًا فحسب، بل يتحول إلى صراع داخل النظام النفسي نفسه. فالكراهية هنا ليست موقفا واعيا، بل هي استجابة تلقائية، يغذيها خطاب تبسيطي وكاذب، يوفر تفسيرا جاهزا للعالم، ويريح الفرد من عناء التفكير والتحليل.

ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بالحماية النفسية، لا بمعنى الانسحاب أو اللامبالاة، ولا بمعنى إنكار المظالم أو تمييع الخلافات، بل بمعنى السماح للجرح بأن يسير في طريقه الطبيعي نحو الشفاء، بدلاً من تثبيته أو استغلاله. الحماية النفسية تعني بناء مسافة داخلية بين الشعور والموقف، بين الفرد والجماعة، والحفاظ على الهدوء الكافي الذي يسمح للعقل بالعودة إلى مكانه.

ولعل أهم ما يمكن فعله في هذه المرحلة هو حماية النفس من الانجراف ومن تحويل الألم العابر إلى قطيعة دائمة. المستقبل لا تصنعه الاتفاقيات العسكرية فحسب، بل تصنعه القدرة على إدارة تداعيات المعركة نفسياً واجتماعياً، وما سنقوله ونفعله اليوم، في لحظة جرح جديد، سيترك بصمته لفترات طويلة، شئنا أم أبينا.

#حلب.. #بعد #أن #سكت #السلاح

حلب… بعد أن سكت السلاح

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حلب… بعد أن سكت السلاح

المصدر : www.enabbaladi.net

.