دستور نيوز
لمى قنوت
لدى السلطة الانتقالية سياسات متراكمة تتعارض مع بناء عدالة انتقالية تعالج انتهاكات الماضي والحاضر، ولا ترسخ دولة القانون والمؤسسات. ويسلط الضوء على التسويات أو الصفقات التي أبرمتها مع بعض مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة بهدف الالتفاف على العدالة الانتقالية وإفراغ مضمونها وهدفها وإهدار حقوق الضحايا وحقهم في معرفة الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر، والتي بدأت مع تعويم المجرمين مثل فادي صقر أحد مرتكبي مجزرة التضامن وأحد قياداتها. ميليشيا “الدفاع الوطني” إبان حكم النظام السابق، وإدراجها في عملية “السلم المدني”، وتبرير وجودها وغيرها بحجة “أهمية دورها في فك العقدة وحل المشاكل”، كما جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده عضو “اللجنة العليا لحفظ السلم المدني” حسن صوفان، منتصف العام الماضي، والذي تحدث فيه عن “منح الأمان” لشخصيات مثل صقر، الذي “لم توجه إليه اتهامات خطيرة”. “ثبتت”، بحسب قوله، في انتهاك واضح لدور هيئة العدالة الانتقالية، والعفو والإفلات من المساءلة والعقاب، إضافة إلى منحها النفوذ والسلطة كمدخل لمن يريد إبرام تسوية مع السلطة الانتقالية، دون تحقيقات شفافة ومحاكمات وكشف الحقائق وإعادة الكرامة والحقوق للمجتمعات المتضررة، وضمان عدم تكرار الجرائم.
وارتفع مستوى الإفلات من العقاب والالتفاف على عملية العدالة الانتقالية، وأصبح مؤسسياً، من خلال إعلان رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، باسل سويدان، أن “التسويات التي أبرمت مع عدد من رجال الأعمال، ومن بينهم تسوية رجل الأعمال محمد حمشو، تندرج في إطار مبادرة الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع، كتسوية اقتصادية تقوم على المقاصة”، وأنها تهدف إلى “استرداد المال العام وإعادته إلى الدولة السورية عبر مسار قانوني ومؤسسي منضبط، مع عودة “إدماج المال والأعمال الناتجة عن الكسب غير المشروع في الدورة الاقتصادية المنتظمة”، وتوجيهها لاحقاً نحو أهداف تخدم الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، وأوضح السويدان فوائد التسويات القائمة من خلال المقاصة المالية، حيث أنها تفكك اقتصاد الظل وتنهي الديون المرتبطة بالكسب غير المشروع والتي كانت مرتبطة سابقاً بتداخل المال مع النفوذ والسلطة، وتساهم في طي صفحة الماضي والدخول في مرحلة جديدة تقوم على الشفافية والالتزام وسيادة القانون على المدى ومن المعروف أن حمشو كان إحدى الواجهات الاقتصادية لنظام الأسد، إذ يقتصر برنامج الإفصاح الطوعي على ستة أشهر لمن يريد ذلك.
قراءة في خطاب السويدان
وسعى السويدان في كلمته إلى شرعنة الاستيطان وتطبيعه وجعله سياسة عامة مستدامة. وارتكز حديثه على مرتكزات لغوية مفاهيمية أعاد فيها وصف الجريمة الاقتصادية بالمسؤولية المالية و”الكسب غير المشروع”، مما يغلق الباب أمام العدالة في قضايا الفساد الممنهج والنهب المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتربح منها. إنه اختزال قانوني واقتصادي وسياسي، وخطاب وسلوك يفصل الجريمة عن سياقها البنيوي، ويتجاهل الضحايا. إضافة إلى أن ربط السلام بمساعي الأهلي لتبرير التسويات أو العفو أو تأجيل المساءلة يعتبر من الصيغ الكلاسيكية لإفراغ العدالة الانتقالية من معناها.
ومع تعريف التقاص بإسقاط المستحقات المتعلقة بالكسب غير المشروع، أغلقت هذه التسويات الباب القانوني أمام مطالبة الدولة باسترداد الأموال أو الأصول العامة أو فرض غرامات، ومطالبة القضاء بتوقيع العقوبة أو المسؤولية الجنائية، ومطالبة الضحايا بجبر الضرر ومعرفة الحقيقة والاعتراف رسميًا بالانتهاك وعدم التكرار والمحاسبة، وهي ركائز أساسية للعدالة الانتقالية، ولا يمكن اختزالها إلى مطالبة مالية.
الخوف من عبارات مثل «طي صفحة الماضي» و«إنهاء الديون» يمكن استخدامها لاحقاً قرينة حسن النية، وذريعة لعدم فتح ملف الجرائم الاقتصادية. وهذا حتماً يقوض العدالة الانتقالية، ويخلق واقعاً قانونياً قبل أن تضع هيئة العدالة الانتقالية قانوناً للعدالة الانتقالية، وتعيد دمج “النخب” المتورطة في الانتهاكات الجسيمة، وتضع “عدالة الخزانة” فوق البشر والمجتمعات.
خلاصة القول، تراكم الخطوات الخاطئة، مثل الصلاحيات المطلقة للرئيس الانتقالي وأقاربه، وانعدام الشفافية، وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، واستمرار دورات العنف والإفلات من العقاب، والتعيينات على أساس الولاء، والتلاعب بالأدلة والسجون، وتسليع التاريخ الشفهي للضحايا، مثل مسابقة “أفضل قصة شهيد” التي أطلقتها وزارة الأوقاف، وتجاهل إصلاح النظام. القضاء وتعزيز استقلاله وحياده والتزامه بحقوق الإنسان، وتجنب تفكيك اقتصاد العنف السياسي، والإنهاء القسري للحوار الوطني، وكل ذلك يؤدي إلى تفكك البلاد، وتصاعد خطاب الكراهية والعنف المدني، وانعدام الثقة في المؤسسات والمسار الانتقالي، وزيادة هشاشة البلاد في مواجهة الأطماع والمصالح الخارجية.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#القضية #التي #أغلقت #قبل #فتح #العدالة
القضية التي أغلقت قبل فتح العدالة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – القضية التي أغلقت قبل فتح العدالة
المصدر : www.enabbaladi.net
