.

اراء و اقلام الدستور – العراق على مفترق طرق.. “ملف داعش”

سامر الشخشير31 يناير 2026
اراء و اقلام الدستور – العراق على مفترق طرق.. “ملف داعش”


دستور نيوز

بقلم د. سمير صالحة

“أساس ميديا”

برزت خطوة نقل آلاف سجناء تنظيم داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا إلى العراق، بقرار أمريكي وتفاهمات إقليمية ودولية معقدة، كتحول استراتيجي في إدارة أحد أكثر الملفات الأمنية والقانونية تعقيدا في النظام الدولي المعاصر.

ظاهرياً، تبدو الخطوة إجراءً أمنياً لوجستياً فرضته التطورات على الأرض والتسويات السياسية الجديدة في سوريا، لكنها في جوهرها تمثل محاولة متأخرة لحل فشل دولي ممتد لأكثر من عقد من الزمن.

هل نحن أمام بداية حل حقيقي أم انتقال الأزمة من جغرافية إلى أخرى؟ ولماذا اختارت واشنطن العراق تحديداً ليكون ساحة لإدارة هذه المرحلة الحساسة؟ فهل العراق مستعد لتحمل هذا العبء وتحويله إلى فرصة سيادية وقانونية، أم يستمر في انتظار الحلول الخارجية التي لا تأتي؟

سد الثغرات الاستراتيجية

ركز التحالف الدولي خلال السنوات الماضية على منع العودة العسكرية لداعش، والسيطرة على السجون والمعسكرات، وتوفير التمويل والحراسة، لكنه تجنب الدخول في الجزء الأصعب: المحاكمات والمسؤوليات القانونية، وتسليم المعتقلين إلى بلدانهم أو تقديمهم للقضاء الواضح والشفاف.

ولذلك، فإن هذه الخطوة قد تمثل فرصة للعراق لرفض تقديمه كـ«مخزن» للأسرى، وأن يكون مركز الحل هذه المرة. تقع بغداد اليوم في قلب معادلة متشابكة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسيادة والقانون الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي. من هزم داعش عسكرياً فشل في محاكمته قانونياً، والعراق اليوم يقف على باب هذا الفشل، ليس باعتباره خالقه، بل باعتباره الطرف الذي تحمل أعباءه لسنوات ويطالب الآن بإغلاقه.

يكثر الحديث عن الإرهاب والخطر والخلايا النائمة والتهديدات العابرة للحدود، لكن القليل فقط من يتحدث عن الإرهابي أمام القضاء. هذا الملف تمت إدارته بمنطق الاحتواء الأمني، وليس منطق العدالة، ومنطق السجون المتنقلة، وليس منطق المحاكم. وتحول آلاف المعتقلين إلى مشكلة مؤجلة تنتقل من جغرافية إلى أخرى دون أفق قانوني واضح.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، تشكل هذه الخطوة محاولة لسد الثغرات الاستراتيجية الموجودة منذ فترة طويلة في شمال وشرق سوريا. إن قرار سحب بطاقة قسد باعتبارها الضامن الحصري لمشكلة السجون، بالتزامن مع تغير موازين القوى داخل سوريا، جعل من الاستمرار في إدارة هذا العبء في تلك المناطق خطراً سياسياً وأمنياً. واشنطن، التي أعلنت بوضوح عن خفض مستوى تدخلها في سوريا، تحتاج الآن إلى إخراج هذه القضية من معادلات الصراع السوري الداخلي، بعد التقارب الثلاثي الأميركي التركي السوري، وتحويلها إلى مسار يمكن التحكم فيه عبر دولة مركزية دفعت ثمناً باهظاً لجرائم هذه الجماعات الإرهابية، وأمامها اليوم الفرصة لتفعيل مؤسساتها القضائية لحسم هذا الاختبار.

وفي الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى سحب إحدى آخر أوراق الضغط السياسي المتعلقة بملف داعش، سواء تلك التي استخدمتها قوات سوريا الديمقراطية منذ سنوات، أو تلك التي لوحت بها بعض الدول الأوروبية لتبرير التهرب من إعادة رعاياها. وعندما يصبح المعتقلون في السجون العراقية، تتقلص هوامش المناورة السياسية، ويطرح السؤال الحقيقي مرة أخرى: من سيحاكم هؤلاء؟ وبأي قانون؟ ومن يتحمل المسؤولية النهائية؟

أما العراق فأمامه الفرصة لمعالجة قضية هي جزء من جراحه ونزيفه. والغالبية العظمى من هؤلاء المعتقلين هم من العراقيين، ووقعت جرائمهم على الأراضي العراقية أو استهدفت مجتمعه. وأي مقاربة عراقية لهذا الملف ستبقى ناقصة ما لم تتم إدارتها بحساسية عالية تجاه الرأي العام الداخلي الذي يرى في هذه القضية جرحا مفتوحا وليست مسألة فنية أو إجرائية.

اختبار المصداقية

ويدرك العراق أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هؤلاء الأشخاص داخل سجونه، بل في بقائهم ضمن فراغ قانوني مفتوح. وفي هذا السياق، فإن الوقت ليس عنصراً محايداً، بل هو عامل ضغط قد يعمل ضد الجميع، ويحول أي تأجيل إضافي إلى خطر مزدوج. ويدرك القادة العراقيون أن نجاحهم في هذه المهمة قد يجعلهم شريكا دوليا أساسيا في إدارة ملفات مكافحة الإرهاب، في حين أن فشلهم قد يضعهم في مواجهة انتقادات حقوقية وضغوط سياسية ومخاطر أمنية داخلية. ولذلك فإن السؤال المركزي لا يتعلق بقدرة العراق على الحراسة أو الاحتجاز، بل بقدرته على الانتقال من منطق «الاحتواء الأمني» إلى منطق «الحل القضائي». وهنا تتقاطع أسئلة التمويل والغطاء الأمني ​​والدعم الاستخباراتي مع السؤال الأهم: كيف ستدار المحاكمات بجزئيها الداخلي وامتداداتها الخارجية؟

وأعلن القضاء العراقي استعداده للتعامل مع القضية وفق قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005، وهو مسار قانوني واضح، لكنه غير كاف. ولا يتعلق الأمر بإصدار الأحكام فحسب، بل يتعلق بملفات الأدلة والأدلة التي تم جمعها خارج الحدود والشهادات والمسؤوليات الدولية للأجانب الذين شاركوا في جرائم موثقة. والمعضلة الحقيقية هنا ليست في اعتقال الإرهابي، بل في الاتفاق على من سيحاكمه، وبأي قانون، وتحت أي رقابة.

إن وجود مئات المعتقلين من جنسيات غير عراقية يفتح الباب أمام مشاكل قانونية ودبلوماسية معقدة تتطلب تنسيقا دوليا حقيقيا لا يقتصر على التصريحات السياسية. ومن أكبر المفارقات في هذا الملف أن داعش تمت محاربته دوليا وتصنيفه كمنظمة إرهابية من قبل الأمم المتحدة والقرارات الدولية، لكن أعضائه تركوا لسنوات في فراغ قانوني، دون محاكمات ودون آلية واضحة لتقاسم المسؤوليات. ولم تنشأ محكمة دولية خاصة مثل نورمبرج أو رواندا أو يوغوسلافيا السابقة، ولم تتحرك المحكمة الجنائية الدولية بفعالية، وبقي الملف معلقا بين السيادة الوطنية والحسابات السياسية.

التحالف الدولي، الذي لعب الدور الأكبر في العمليات العسكرية والاستخباراتية، يجد نفسه اليوم أيضاً أمام اختبار مصداقيته. فهل سيبقى وجوده على أبواب السجون فقط، أم سيمتد إلى دعم القضاء العراقي فنيا ولوجستيا، والمساهمة في إعداد ملفات قانونية متكاملة، والضغط على الدول لإعادة مواطنيها؟ وغياب هذا الدور سيعني عملياً إعادة إنتاج الفشل السابق، ولكن هذه المرة على الأراضي العراقية.

وفي الختام، فإن خطوة نقل سجناء داعش إلى العراق لا تمثل نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة حاسمة. إنها لحظة اختبار جديدة لملف أدير منذ سنوات بمنطق التأجيل والتقسيم. إن نجاح هذه المرحلة يتطلب تزامناً حقيقياً بين الأمن والقانون والسياسة، وانتقالاً واضحاً من محاربة الإرهاب بالسلاح إلى محاسبة الإرهابيين أمام القضاء. والبديل للحل القانوني هو إبقاء التهديد مفتوحا. ومن يفشل في المثول أمام العدالة لن ينجح في ضمان الأمن مهما طالت مدة الحراسة.

د. سمير صالحة

#العراق #على #مفترق #طرق. #ملف #داعش

العراق على مفترق طرق.. “ملف داعش”

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – العراق على مفترق طرق.. “ملف داعش”

المصدر : www.elsharkonline.com

.