.

اراء و اقلام الدستور – اليمن وسؤال الدولة الغائبة: متى تعود سعيدة؟

سامر الشخشير31 يناير 2026
اراء و اقلام الدستور – اليمن وسؤال الدولة الغائبة: متى تعود سعيدة؟


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني

“أساس ميديا”

إن استحضار اسم «اليمن السعيد» لم يعد فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل أصبح مقدمة ضرورية لفهم واحدة من أعقد وأخطر الأزمات التي يعيشها العالم العربي. اليمن الذي شكل خلال مراحل طويلة من تاريخه فضاء سياسيا مندمجا في محيطه وعبر عن توازن نادر بين الجغرافيا والسلطة والمجتمع، يجد نفسه اليوم عند تقاطع قاتم بين انهيار الدولة وتحولها إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح. ولذلك فإن السؤال عن «سعادة» اليمن لم يعد سؤالاً وجدانياً، بل سؤالاً عن أوضاع الدولة وحدود السيادة في زمن المحاور.

إن الأزمة اليمنية الحالية، في جوهرها، ليست نتيجة الحرب وحدها، بل هي نتيجة إخراج جزء من اليمن تدريجياً من فضاءه العربي الطبيعي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية تتجاوز إرادة اليمنيين وحدود دولتهم. ومن هذا المنطلق يصبح السؤال: متى يعود اليمن سعيدا؟ سؤال سياسي استراتيجي بامتياز: متى ستكون هناك دولة لا ساحة، وفاعل عربي لا أداة في المشاريع غير العربية؟

لم يكن اسم “اليمن السعيد” وصفا شعريا عابرا، ولا استعارة جغرافية استخدمها الرحالة القدماء لمجرد الدهشة. لقد كان اسماً سياسياً حضارياً قبل أن يكون بلاغياً: علامة على مجتمع مستقر ومزدهر، متصل بالعالم، قادر على إنتاج معنى للحياة خارج العنف والعزلة. اليمن، في واحدة من أعمق مفارقات التاريخ العربي، هو البلد الذي حمل صفة «السعادة» مبكراً، ثم عاش أطول مواسم البؤس الحديث. والسؤال اليوم ليس لماذا أصبحت اليمن بائسة، بل متى وكيف وتحت أي ظروف. فهل عودته السعيدة ممكنة دون عودته إلى عمقه العربي، وفي قلبه علاقته المصيرية مع المملكة العربية السعودية؟

اليمن القديم: الدولة قبل المفهوم

في تاريخ اليمن الطويل، لم تكن الجغرافيا تشكل عبئا. بل على العكس من ذلك، شكلت موقعاً مركزياً في شبكات التجارة القديمة، وجعلت من اليمن جسراً بين شبه الجزيرة العربية، وشرق أفريقيا، وجنوب آسيا. أعطى هذا الموقع اليمن قوة سياسية واقتصادية مبكرة، والتي تُرجمت إلى بناء أنظمة ري متقدمة، وإدارة عقلانية للموارد، والقدرة على السيطرة على التنوع القبلي ضمن إطار سياسي شامل. لكن في العصر الحديث تحولت الجغرافيا نفسها إلى عامل هشاشة عندما غابت الدولة القادرة على إدارتها. ولم يعد باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ورقة قوة سيادية، بل أصبح نقطة ضغط دولية وإقليمية. فالجبال، التي شكلت تاريخياً مناعة طبيعية، أصبحت ملاذات للميليشيات ومستودعات للأسلحة. في المنطق الجيوسياسي، لا تشكل الجغرافيا خطرا في حد ذاتها، بل تصبح كذلك عندما تفشل السياسة في ترويضها. وهذا بالضبط ما حدث في اليمن.

وفي العصرين السبئي والحميري لم تكن اليمن هامشا في التاريخ، بل مركزا. إن السيطرة على طرق التجارة وبناء دولة قادرة على إدارة التنوع القبلي جعلت من اليمن قوة إقليمية قبل أن يتشكل المفهوم الحديث للدولة. «سد مأرب» لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل كان تعبيراً عن عقل سياسي يعرف أن الاستقرار أساس السيادة.

لكن انهيار هذا النموذج المبكر لم يكن مجرد صدفة طبيعية، بل كان نتيجة شرخ في العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الداخل والعالم. ومنذ ذلك الحين، بدأ اليمن يتأرجح بين لحظات الانفتاح القصيرة وفترات العزلة الطويلة. ومن هنا، لا يمكن فصل أزمة اليمن عن فشل النخب المتعاقبة في تحويل الجغرافيا من عبء إلى رافعة. وعندما تُترك الجغرافيا بلا دولة، تصبح تلقائياً أداة في أيدي الخارج، وليست مورداً للداخل.

الإسلام ثم الإمامة… ثم العزلة

اليمن دخلت الإسلام دون صدمة حضارية. ولم يكن الفتح عنيفاً، ولم تُمح البنى الاجتماعية القائمة، بل أعيد دمجها في الفضاء العربي الإسلامي الأوسع. وكان اليمن في تلك المرحلة جزءاً عضوياً من الفضاء العربي، يساهم في ثقافته ويغذي ديناميكيته.

ومع ذلك، شهدت القرون التالية، وخاصة مع توطيد الإمامة الزيدية في الشمال، تحولًا عميقًا: تراجع سياسي، وعزلة ثقافية، وإعادة تعريف السلطة باعتبارها امتيازًا للسلالة وليس عقدًا اجتماعيًا. لم يعد اليمن طرفاً فاعلاً في التحولات الكبرى التي يشهدها «الوطن العربي» قبل أن يصبح مصطلحاً سياسياً حالياً، بل أصبح مراقباً متردداً أو منسحباً.

لقد وفرت الإمامة شكلاً من أشكال الاستقرار، لكنه كان استقراراً ثابتاً، يقوم على تعطيل السياسة، وليس تنظيمها. وتم إقصاء المجتمع عن اتخاذ القرار، واحتكار الشرعية، وتحول الدين إلى أداة حكم مغلقة. وفي الوقت الذي كانت مراكز عربية أخرى تدخل عصر الدولة الحديثة، بقي اليمن أسير بنية استبدادية ترى في الخارج تهديداً دائماً، والداخل رعايا وليس مواطنين.

من الإمامة إلى الحوثيين: استمرارية البنيان وانقطاع الدولة

لا يمكن فهم ما أصبح عليه اليمن دون العودة إلى البنية السياسية التي حكمته لفترة طويلة. ولم تكن الإمامة نظام حكم فحسب، بل كانت أسلوبا استبداديا يقوم على احتكار الشرعية وتعليق السياسة وتحويل المجتمع إلى تابع. وعلى الرغم من انهيارها الشكلي مع تأسيس الجمهورية، إلا أن هذه البنية لم يتم تفكيكها بشكل جذري، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.

ولا يمثل الحوثيون اليوم، في هذا السياق، قطيعة مع الماضي، بل عودة مكثفة إليه، بلغة أيديولوجية حديثة وأدوات عسكرية متقدمة. وهم لا يقدمون أنفسهم كحركة وطنية تسعى إلى دولة موحدة، بل كسلطة مغلقة، سلالية في جوهرها، ترى في اليمن منطقة سيطرة وليس كيانا للشراكة. وبهذا المعنى فإن الحوثيين لا يشكلون أزمة سياسية عابرة، بل يشكلون تهديدا مباشرا لفكرة الدولة اليمنية نفسها.

جاءت ثورة 1962، ثم الوحدة 1990، لحظتين تاريخيتين نادرتين لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس حديثة. لكن الجمهورية ولدت ضعيفة، وتحكمها التوازنات القبلية والعسكرية. وكانت النتيجة سياسية: غابت المؤسسات، وتراجعت العدالة، وبقيت الدولة إطاراً شكلياً للصراع على السلطة، وليس عقداً وطنياً شاملاً.

وقد مهد هذا الفشل الهيكلي الطريق لانهيار الدولة لاحقًا. وعندما ضعفت السلطة المركزية، وانهار الاقتصاد، وتآكلت الشرعية، أصبح اليمن أرضاً خصبة لصعود مليشيات الحوثي وتدخل القوى الإقليمية بحثاً عن موطئ قدم استراتيجي.

الحوثيون في اليمن: تهديد مباشر للأمن القومي العربي

وفي وضعه الحالي، لم يعد اليمن مجرد أزمة داخلية، بل تحول إلى أحد أخطر مصادر التهديد للأمن القومي العربي. سيطرة الحوثيين على القرار السياسي والعسكري حولت اليمن إلى منصة متقدمة لمشروع إقليمي تقوده إيران، يقوم على تطويق المنطقة العربية وتهديد ممراتها الحيوية وإضعاف دولها من الداخل.

تهديد الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف أعماق الخليج، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة كورقة ضغط سياسي، كلها مؤشرات على أن اليمن لم يعد يدار كدولة، بل يتم استخدامه كأداة، ومن قبل إيران بشكل خاص. والأخطر من ذلك أن هذا الواقع يشكل سابقة خطيرة: نجاح مجموعة مسلحة مرتبطة بمحور غير عربي في الاستيلاء على دولة عربية وتحويلها إلى ورقة تفاوض إقليمية.

الحوثيون مع إيران: من الدعم إلى التكامل الوظيفي

لم تعد العلاقة بين الحوثيين وإيران محل نقاش تحليلي. إنها علاقة تكامل وظيفي، تتجلى في الدعم العسكري، ونقل التكنولوجيا الصاروخية، والتدريب، وتوحيد الخطاب السياسي. ويمثل اليمن في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية موقعا متقدما على البحر الأحمر وباب المندب، ونقطة ضغط مباشرة على الخليج العربي، وعنصرا أساسيا في شبكة نفوذ تمتد من بلاد الشام إلى جنوب شبه الجزيرة العربية. وبهذا المعنى، لم يعد الحوثيون فاعلاً محلياً يتلقى دعماً خارجياً، بل أصبحوا جزءاً عضوياً من مشروع إقليمي يعيد تعريف اليمن كوظيفة استراتيجية، وليس وطناً سيادياً. وهذا ما يجعل استمرار سيطرتهم خطرا ليس على اليمن فحسب، بل على النظام الإقليمي العربي برمته.

متى سيعود اليمن سعيدا؟

ويعود اليمن سعيدا عندما يستعاد دولة لا ساحة، وكفاعل عربي لا أداة في مشاريع غير عربية. يعود عندما يتم استعادة السياسة من الأسلحة، والهوية من السلالة، والمستقبل من أسر الماضي. «السعادة» هنا ليست وعداً أخلاقياً، بل هي نتيجة لمشروع سياسي واضح: الدولة والسيادة والتكامل العربي.

أما استمرار الوضع الراهن فهو ليس تثبيتاً لتوازن هش، بل هو تراكم لأسباب انفجار أوسع، لن تبقى تداعياته داخل اليمن وحده، بل ستطال الأمن القومي العربي برمته. ومن هنا السؤال: متى سيعود اليمن سعيداً؟ إنها ليست مسألة يمنية فقط، بل سؤال حول مستقبل النظام العربي، وقدرته على حماية دوله من التحول إلى ساحات. «سيعود اليمن سعيداً» عندما يتصالح مع تاريخه دون أن يأسره، ومع جواره دون تردد.

أيمن الجزيني

#اليمن #وسؤال #الدولة #الغائبة #متى #تعود #سعيدة

اليمن وسؤال الدولة الغائبة: متى تعود سعيدة؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – اليمن وسؤال الدولة الغائبة: متى تعود سعيدة؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.