.

اراء و اقلام الدستور – دبلوماسي سابق يستعرض جذور فشل عملية التسوية وحدود القدرة الأميركية

سامر الشخشير30 يناير 2026
اراء و اقلام الدستور – دبلوماسي سابق يستعرض جذور فشل عملية التسوية وحدود القدرة الأميركية


دستور نيوز

مركز المعلومات الفلسطيني

في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تعود «عملية التسوية» التي امتدت ثلاثين عاماً إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة في ظل مقاربة أميركية غير مسبوقة بقيادة الرئيس دونالد ترامب. بعد سنوات طويلة ظل فيها حل الدولتين مجرد شعار دبلوماسي واستثمار سياسي تستخدمه أطراف دولية كغطاء يعفيها من اتخاذ خطوات ملموسة، أعادت الإدارة الأمريكية الحالية طرح خطة طموحة للغاية، تراوحت الآراء حولها بين اعتبارها فرصة نادرة لإنهاء القتال، واعتبارها وثيقة استسلام سياسي مفروضة على الفلسطينيين.

في مقابلة نشرها موقع أورينت 21 الفرنسي، يقدم الدبلوماسي الأميركي المخضرم روبرت مالي، أحد أبرز من تابعوا مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منذ اتفاقات أوسلو، ملخصاً لقراءته للمشهد الحالي، مستعرضاً جذور الفشل وأكاذيب الوهم في «عملية السلام»، وحدود القدرة الأميركية على فرض تسوية جديدة.

وثيقة استسلام بحدود سياسية

وترى مالي أن التوقيت الذي طرحت فيه الخطة الأمريكية لقطاع غزة لم يكن مفاجئا لارتباطه بالضغوط المحيطة بجميع الأطراف. وعلى الجانب الإسرائيلي، بدأت تكاليف الحرب تطفو على السطح داخليا، خاصة مع إعلان بنيامين نتنياهو نيته الترشح لولاية جديدة في انتخابات 2026، دون أن يتمكن من تبرير استمرار الحرب أو عدم قدرته على إعادة الأسرى الإسرائيليين. بالنسبة لحماس، فإن أشهر الحرب الطويلة «قللت من القيمة التكتيكية لاحتجاز الرهائن (الأسرى الإسرائيليين)، وتعرضت الحركة لضغوط مباشرة من تركيا وقطر، مما دفعها إلى قبول الحديث عن صفقة تبادل أو هدنة طويلة».

لكن الأهم، كما يقول مالي، هو أن ترامب نفسه كان يبحث عن «انتصار خارجي» يسجله على سجله، ويقدمه دليلا على قدرته على وقف الحروب، وهو هدف ربطه بوضوح بطموحاته للحصول على جائزة نوبل للسلام، مشيرا إلى أنه بدا للرئيس الأميركي أن إنهاء القتال في غزة وإطلاق المسار السياسي الجديد يمثلان فرصة لكسر الجمود الذي لم يتمكن سلفه جو بايدن من تحقيقه.

وفي رأيه بالخطة السياسية المطروحة بشأن غزة، يقول مالي إنها تأتي في مرحلة سياسية غامضة تتضمن نزع سلاح غزة، والقبول بوجود عسكري إسرائيلي محدود على أراضي القطاع “حتى تقرر تل أبيب موعد خروجها”، وتشكيل “مجلس سلام” بقيادة ترامب نفسه وبمشاركة توني بلير.

ويصف الخطة بأنها “وثيقة الاستسلام الفلسطيني” لأنها تفرض على الفلسطينيين شروطا تحافظ على دور إسرائيل الحاسم في تحديد مستقبل غزة، وتلزمهم بالتخلي عن أدوات المقاومة والقبول بترتيبات أمنية قاسية. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الخطة لها بعد إيجابي إذا تمكنت من تحقيق هدنة دائمة وتقديم مساعدات واسعة النطاق وإطلاق سراح السجناء والرهائن، وهو ما يعتقد أنه قد يفتح الباب لتغيير أوسع في المستقبل.

وأضاف أن إدارة القطاع ستنتقل إلى “مجلس سلام” يرأسه ترامب ويرأسه توني بلير، “وهي ترتيبات يرى الفلسطينيون أنها غير قابلة للهضم سياسيا أو وطنيا، فيما يشكك الإسرائيليون أنفسهم في جدواها، خاصة مع احتمال أن تتحول إلى نموذج مماثل للضفة الغربية”.

تبنى مجلس الأمن، فجر الثلاثاء، مشروع القرار الأميركي رقم 2803 (2025)، الذي يدعم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكونة من عشرين نقطة. وحصل المشروع على دعم 13 دولة، فيما امتنعت روسيا والصين عن التصويت.

ومن وجهة نظر مالي، تبدو الأبواب مغلقة في وجه تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، لأن الطرفين – إسرائيل وحماس – غير مستعدين للتخلي عن مبادئهما. وتخشى إسرائيل تحويل غزة إلى ملف دولي، أو فرض قوة استقرار دولية على حدودها، بينما ترفض حماس نزع سلاحها أو التخلي عن دورها السياسي. لذلك، يرى مالي أن ما يمكن تحقيقه فقط هو “الحد الأدنى المتفق عليه هو الهدنة، وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإرسال المساعدات الإنسانية. أما الباقي، فأعتقد أن الأمر سيكون موضع صراع وخلاف، وسيعتمد بشكل كبير على التدخلات الخارجية”.

لكن مالي يلفت الانتباه إلى أن إدارة ترامب، على عكس الإدارات السابقة، تبدو مستعدة لممارسة ضغوط مباشرة على إسرائيل، بما في ذلك رفض الضم، ومطالبتها بوقف الحرب، وحتى منع نتنياهو من تعطيل المرحلة الأولى من الخطة، وهو ما ينعكس في سلسلة زيارات كبار المسؤولين الأميركيين إلى تل أبيب.

30 عاماً من المفاوضات.. ولا نتيجة

وينتقل مالي إلى استخلاص الدروس من مسار المفاوضات الطويل منذ أوسلو، ويرى أن اتفاقية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية الموقعة عام 1993 «لم تكن أبدًا اتفاقية حقيقية أو متساوية، بل كانت صفقة خادعة مبنية على سوء فهم أساسي».

ويوضح أن منظمة التحرير الفلسطينية قبلت “كخطوة تاريخية” التنازل عن 78% من فلسطين التاريخية مقابل دولة ذات سيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية. أما الإسرائيليون، فقد اعتبروا أوسلو اعترافاً فلسطينياً بالهزيمة، ورأوا أن الدولة الفلسطينية، في حال قيامها، لن يكون لها سيادة حقيقية، ولا جيش، ولا سيطرة على الحدود.

ويؤكد مالي أن هذا التناقض جعل “عملية السلام” تبدو حية في حين أنها في الواقع ميتة سريريا. وتمسك كل طرف بأحلامه التاريخية، فيما لم تتمكن أي صيغة سياسية من تلبية الحد الأدنى من تطلعات الطرفين. وهكذا تآكلت الثقة، واستمرت إسرائيل في توسيع المستوطنات تحت ستار المفاوضات، في حين مُنع الفلسطينيون من ممارسة أي شكل من أشكال الضغط السياسي أو القانوني.

الحاجة إلى نهج جديد

وترى مالي أن الحلول التاريخية الدائمة مستحيلة في المستقبل المنظور، وأن البديل الواقعي هو حلول مرحلية تعترف بالعيش المشترك دون إلزام الطرفين بالتخلي عن أحلامهما الوطنية. ويضرب مثال أيرلندا الشمالية، حيث تمكن الطرفان من التوصل إلى تسوية أنهت العنف دون حل القضية النهائية أو إلغاء تطلعات أي من الطرفين.

ومن هنا، يؤكد مالي على ضرورة توسيع الحوار ليشمل كافة الفئات الفلسطينية الناشطة بمختلف أطيافها، وكذلك الإسرائيليين خارج النخب العلمانية واليسارية التقليدية، معتبرا أن تجاهل القوى المؤثرة على الأرض كان أحد أسباب فشل عملية أوسلو.

ويؤكد مالي أن عودة الحديث عن «حل الدولتين» إلى الخطاب الدولي بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، لا يعكس قناعة حقيقية بجدوى الحل لدى معظم الحكومات. “لقد تحولت هذه الفكرة إلى ملجأ سياسي: ملجأ لأصحاب النوايا الحسنة حتى لا يفقدوا الأمل، وملجأ لأصحاب النوايا السيئة لتبرير عدم اتخاذ أي إجراء للضغط على إسرائيل لوقف الإبادة الجماعية”.

ويشير مالي إلى أن الولايات المتحدة، لفترات طويلة، استخدمت فكرة “عملية السلام” لمنع الفلسطينيين من اللجوء إلى الأدوات القانونية والعصيان المدني والضغوط الدولية، في حين أنها لم تقدم أي ضغط جدي على إسرائيل لوقف النشاط الاستيطاني الذي دمر بشكل منهجي إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة جغرافية واقتصادية.

تغيير الرأي العام: هل يتحول إلى سياسة؟

ومن أبرز النقاط التي يركز عليها مالي التحول العميق في الرأي العام الأمريكي والغربي تجاه إسرائيل. ويصف هذا التحول بـ«غير المسبوق»، ويشير إليه بعدة مؤشرات، منها: تحول الشباب الأميركي، خاصة الطلاب والليبراليين، نحو انتقادات غير مسبوقة للسياسات الإسرائيلية، وإعلان النواب الديمقراطيين رفضهم تلقي الدعم من مجموعة الضغط الإسرائيلية، «وهو حدث «شبه ثوري» بحسب مالي».

وكما يشير الدبلوماسي الأمريكي السابق، هناك ضغوط متزايدة داخل الكونجرس لوقف الدعم العسكري لإسرائيل طالما استمرت الحرب، وتشكك الحركات اليمينية من قاعدة ترامب في جدوى التمويل الأمريكي لإسرائيل، لأنه يجر الولايات المتحدة إلى صراعات لا تريدها.

ويقول مالي إن استطلاعات الرأي العام بين الشباب الأميركي والديمقراطيين، وكذلك بين شريحة من أنصار شعار “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” في الحزب الجمهوري، تظهر نفوراً مشتركاً من النزعة العسكرية التي يتبناها ترامب. “يسألون لماذا نعطي من 3 إلى 8 مليارات دولار سنويا لدولة تجرنا إلى الحروب؟ إذا نظرنا إلى تلك المواقف معا نرى تغيرا كبيرا”.

ويرى مالي أن هذا التغيير ما زال يتشكل، وأن السؤال الحقيقي هو: هل سيستمر التحول بعد انتهاء الحرب وتغير الحكومة الإسرائيلية؟ وفي حال استمراره فقد يؤدي إلى زوال حكومة اليمين المتطرف وعودة العلاقات الأميركية الإسرائيلية إلى نمطها التقليدي، وهو احتمال لا يمكن استبعاده.

ويؤكد مالي أن الأسئلة الجديدة التي فرضها الرأي العام الأميركي بشأن العلاقة مع إسرائيل لم تكن موجودة قبل عشر سنوات، وهذا وحده تطور مهم.

هل بدأ الدعم في التصدع؟

ويعترف مالي بأن الدعم الأميركي لإسرائيل كان «غير مشروط» منذ عقود، لكنه يعتقد أن هذا الدعم بدأ يتعرض لصدمات حقيقية. والولايات المتحدة، رغم استمرار انحيازها الواضح لإسرائيل، بدأت – للمرة الأولى منذ فترة طويلة – في فرض قيود على الدعم العسكري، والمناقشة العلنية لشروط استمرار هذا الدعم.

ويرى أن تراجع الصبر داخل المجتمع الأميركي، وتغير المزاج الأكاديمي والإعلامي، والنفور المتزايد من سياسات اليمين الإسرائيلي، كلها عوامل قد تعيد رسم حدود العلاقة الاستراتيجية في السنوات المقبلة.

لكن مالي يذكّر بأن واشنطن لا تتحرك من منطلق التضامن مع الفلسطينيين، بل من باب المصلحة، وأن أي تغيير في السياسة الأميركية سيكون نتيجة تحولات أميركية داخلية، وليس رغبة في تحقيق العدالة.

ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق أن خطة ترامب قد تفتح نافذة محدودة لوقف الحرب وتوفير الإغاثة لغزة، لكن تحويلها إلى سلام حقيقي يبدو صعبا للغاية في ظل انعدام الثقة، واستمرار الاحتلال، وتعمق الانقسام الداخلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

ويؤكد مالي أن الرأي العام الدولي يتحرك في اتجاه جديد، ورغم أن الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل بدأ يظهر تصدعات واضحة، فإن مستقبل العملية السياسية سيظل مرهونا بعوامل خارجية معقدة، أبرزها: قدرة واشنطن على فرض إرادتها، وموقف الدول العربية والخليجية، ومدى استعداد إسرائيل للتغيير، واستعداد الفلسطينيين لإعادة بناء مشروع سياسي شامل.

وبين واقع اليوم وظلال الماضي، تظل عملية السلام – كما تقول مالي – سلسلة من الفرص الضائعة، ولكنها أيضا قصة شعبين لا تزال أحلامهما قائمة، وإن كانت معلقة بين الخوف والأمل.

#دبلوماسي #سابق #يستعرض #جذور #فشل #عملية #التسوية #وحدود #القدرة #الأميركية

دبلوماسي سابق يستعرض جذور فشل عملية التسوية وحدود القدرة الأميركية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – دبلوماسي سابق يستعرض جذور فشل عملية التسوية وحدود القدرة الأميركية

المصدر : palinfo.com

.