.

اراء و اقلام الدستور – لبنان على خط النار الحية.. أين مديرية حماية المستهلك ووزارتا الاقتصاد والسياحة؟

سامر الشخشير29 يوليو 2026
اراء و اقلام الدستور – لبنان على خط النار الحية.. أين مديرية حماية المستهلك ووزارتا الاقتصاد والسياحة؟


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

لم يعد ارتفاع الأسعار في لبنان مجرد نتيجة طبيعية للأزمة الاقتصادية الخانقة، بل تحول إلى أزمة قائمة بذاتها، تكشف يوما بعد يوم، مدى تراجع فعالية الرقابة الرسمية، وتراجع قدرة الدولة على أداء دورها الأساسي في حماية المستهلك، إلى حد أن الأوضاع المعيشية أصبحت تشكل تهديدا مباشرا للأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

انفصلت أسعار السلع والخدمات بشكل كبير عن مستوى الدخل والقدرة الشرائية للمواطنين، وبات تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً لغالبية اللبنانيين، بعد أن تجاوز ارتفاع الأسعار حدود الأزمة المؤقتة ليصبح واقعاً دائماً يهدد قدرة الناس على تأمين حياة كريمة.

ولم تعد تداعيات هذا الواقع مقتصرة على الفئات الأكثر فقرا، بل امتدت إلى الطبقة الوسطى وأصحاب الرواتب الثابتة، لتصل إلى شرائح كانت تعتبر، حتى وقت قريب، قادرة على الحفاظ على مستوى معيشي مقبول.

وحتى اللبنانيون العاملون في الخارج بدأوا يلاحظون، عندما يزورون وطنهم، الفارق الكبير بين الأسعار في لبنان وتلك المعتمدة في الدول التي يقيمون فيها، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة آليات التسعير والرقابة في الأسواق اللبنانية.

ولا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار فحسب، بل أيضاً في غياب التوازن بين تكلفة الخدمات المقدمة ومستوى جودتها، وهو واقع يظهر بوضوح في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وفي قطاع الكهرباء، لا يكتفي المواطن بدفع فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، بل يجد نفسه مجبراً على تحمل كلفة الاشتراك في المولدات الخاصة نتيجة استمرار التقنين وعدم توفير إمدادات كهربائية مستقرة.

أما في قطاع المياه، فيدفع المواطن رسوماً رسمية للمؤسسات المعنية، ويضطر بعد ذلك إلى شراء المياه من الصهاريج لتأمين احتياجاته اليومية، إضافة إلى شراء المياه المعبأة للشرب، بسبب تزايد المخاوف من تلوث بعض مصادر المياه واختلاطها بمياه الصرف الصحي.

أما قطاع المواد الغذائية، فقد أصبح أحد أبرز جوانب الأزمة المعيشية التي تثقل كاهل اللبنانيين، ليس فقط بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية، بل أيضاً بسبب المخاطر المرتبطة بالسلامة الغذائية.

وإلى جانب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة السلة الغذائية، تشير التقارير الرسمية والبيئية إلى وجود مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تروى بمياه ملوثة أو بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، ما يجعل المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة ​​من صحته.

ومعاناة المواطنين لا تعكس هذا الواقع وحده، بل تؤكده أيضاً مؤشرات وأرقام تعكس الضغوط المتزايدة على الأسر اللبنانية.

وفي هذا السياق، أشار موقع إخباري الأسبوع الماضي إلى أن أسعار 140 سلعة وخدمة أساسية لا غنى عنها في أي منزل لبناني ارتفعت بأكثر من 19% خلال النصف الأول من عام 2026.

وتؤكد هذه الزيادة أن الأزمة المعيشية لا تزال تتفاقم بمعدل ينذر بالخطر، كما تثير تساؤلات جدية حول مدى فعالية الجهات الرقابية، ودور مديرية حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة في مراقبة الأسواق وضبط المخالفات والحد من فوضى الأسعار.

وهنا لا تكمن المشكلة في غياب القوانين، إذ منح قانون حماية المستهلك اللبناني وزارة الاقتصاد والتجارة، من خلال مديرية حماية المستهلك، صلاحيات واضحة لمراقبة الأسواق والتحقق من صحة الأسعار وضبط المخالفات وإحالة مرتكبيها إلى العدالة عند ثبوت المخالفات.

إن مديرية حماية المستهلك ليست مجرد هيئة إدارية أو اسم مدرج في هيكل الدولة، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية من المفترض أن تلعب دوراً أساسياً في حماية المواطن والحفاظ على حقوقه.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين النصوص والتنفيذ، حيث أن ضعف الرقابة الميدانية وتراجع المساءلة أفرغا هذه الصلاحيات من محتواها العملي، وترك المستهلك في مواجهة مباشرة مع الأسواق دون الحماية الكافية التي يكفلها له القانون.

ولكي نكون منصفين، لا بد من الاعتراف بأن الانهيار المالي، والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، واحتجاز أموال المودعين، والاعتماد الكبير على الواردات، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

لكن هذه الظروف، مهما كانت قاسية، لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لغياب الرقابة أو التراجع عن تطبيق القوانين، لأن حماية المواطن تصبح أكثر إلحاحا في أوقات الأزمات، وليس أقل.

وإذا بدأت حماية المستهلك بضمان الحقوق الأساسية للمواطن، فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى القطاعات التي تمس حياة الناس وصورة لبنان السياحية في الخارج، وأبرزها قطاع السياحة الذي يشكل أحد أبرز ركائز الاقتصاد الوطني ومصدراً أساسياً لجذب العملة الصعبة.

أما قطاع السياحة الذي يقع ضمن مسؤولية وزارة السياحة، فلا ينبغي أن يقتصر دور الوزارة على الترويج للبنان كوجهة سياحية فقط، ولا تقتصر مسؤولية الوزارة على التسويق السياحي، بل تشمل أيضا الإشراف الفعلي على المؤسسات السياحية، والتأكد من التزامها بالقوانين والأنظمة المعمول بها، وتعزيز الرقابة الميدانية بالتنسيق مع الشرطة السياحية والجهات المعنية، وضمان احترام حقوق العملاء، وحماية سمعة القطاع، ومنع أي ممارسات تسيء إلى صورة لبنان السياحية.

ولا تتعلق مشاكل هذا القطاع بارتفاع الأسعار فحسب، بل تشمل أيضا تزايد الشكاوى المتعلقة بانعدام الشفافية لدى بعض المؤسسات السياحية، خاصة فيما يتعلق بالفواتير وطريقة احتساب الأسعار ووضوح الخدمات المقدمة مقابل المبالغ المطلوبة.

وأظهرت الحالات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي استياء عدد من الزوار، ومن بينهم غير لبنانيين، من ممارسات اعتبرها أصحابها غير شفافة أو مبالغ فيها، ورأوا أنها لا تتفق مع حقوق المستهلك أو مع الصورة التي من المفترض أن يقدمها لبنان لزواره.

واحدة من أكثر الظواهر غير المرضية في قطاع السياحة تتعلق بخدمة صف السيارات (خدمة صف السيارات)، إذ يتم التعامل مع بعض الأرصفة والمواقف العامة في عدد من المناطق وكأنها امتياز خاص لبعض المؤسسات، فيطلب من العملاء دفع مبالغ قد تصل إلى 10 أو 20 دولاراً مقابل خدمة تُفرض أحياناً دون تسعيرة واضحة أو رقابة فعلية على آلية احتسابها.

إن استمرار هذه الممارسات لا يفرض أعباء إضافية على المواطنين والزوار فحسب، بل يضر أيضاً بصورة لبنان السياحية ويقوض الثقة التي تشكل أساس أي قطاع سياحي ناجح ومستدام.

فالسياحة لا تقوم فقط على جمال الطبيعة وثراء التاريخ والتنوع الثقافي الذي يتميز به لبنان، بل تقوم أيضا على حسن المعاملة والشفافية والعدالة في التعامل مع السياح والمغتربين والمقيمين على حد سواء، بعيدا عن أي استغلال أو ممارسات قصيرة النظر قد تضر بمصلحة القطاع على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن الرقابة الجادة على المؤسسات السياحية لا تصبح إجراءً ثانوياً، بل مسؤولية وطنية تهدف إلى حماية سمعة لبنان قبل حماية أي مصلحة فردية أو ظرفية.

الدولة ليست مطالبة بالتدخل في تحديد أسعار كل سلعة أو خدمة، لكنها مطالبة بفرض قواعد المنافسة العادلة، ومنع الاحتكار والاستغلال، وضمان احترام القوانين والأنظمة التي تحمي المواطنين والزوار على حد سواء.

ويبقى القضاء ركيزة أساسية في هذه المواجهة، فالرقابة وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها محاسبة فعالة ورادعة للمخالفين، لأن غياب العقوبة لا يشجع إلا البعض على الاستمرار في مخالفة القوانين.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن اللبنانيين لم يعودوا يبحثون عن سجالات سياسية عقيمة «لا تسمنهم ولا تجوعهم»، بل عن دولة فعلية تحميهم، وتصون حقوقهم، وتوفر لهم الحد الأدنى من العدالة والكرامة في حياتهم اليومية.

وفي الختام، يبقى لبنان، رغم كل الأزمات، من أجمل دول العالم بطبيعته الخلابة وموقعه المميز ومقوماته السياحية والثقافية الفريدة التي تجمع بين البحر والجبال والتنوع الثقافي.

لكن المؤلم أن دولاً مثل قبرص وتركيا واليونان، بالإضافة إلى البرتغال وإيطاليا وإسبانيا، وهي دول تشترك مع لبنان في العديد من المقومات المناخية والسياحية، أصبحت أقل تكلفة منها في مجالات الطعام والمطاعم والمقاهي والفنادق والإقامة.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة تمتلك كل هذه المقومات الطبيعية والسياحية أن تفقد قدرتها التنافسية بسبب غلاء الأسعار، وبعض الممارسات التجارية غير المسؤولة، وغياب الرقابة الفعالة؟

ومسؤولية هذا الواقع لا تقع على عاتق الدولة وحدها، على الرغم من مسؤوليتها الأساسية في تطبيق القانون. بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والتجار ومقدمي الخدمات، الذين من المفترض أن يدركوا أن الموسم السياحي ليس فرصة لتحقيق أرباح سريعة على حساب الزائر، بل فرصة لبناء الثقة وتعزيز صورة لبنان وتشجيع السياح والمغتربين على العودة إليه.

إن نجاح قطاع السياحة لا يقاس فقط بعدد الزوار الذين يدخلون البلاد، بل بمدى رضاهم وثقتهم ورغبتهم في العودة مرة أخرى، لأن السياحة الحقيقية تقوم على السمعة قبل الربح، وعلى الثقة قبل العوائد.

ديفيد عيسى

#لبنان #على #خط #النار #الحية. #أين #مديرية #حماية #المستهلك #ووزارتا #الاقتصاد #والسياحة

لبنان على خط النار الحية.. أين مديرية حماية المستهلك ووزارتا الاقتصاد والسياحة؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لبنان على خط النار الحية.. أين مديرية حماية المستهلك ووزارتا الاقتصاد والسياحة؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.