دستور نيوز
انطوان العويط
الأربعاء 8 أبريل 2026 – 09:29
المصدر: صوت لبنان
هناك وطن لا يشبه أي وطن؛ يتقن ما لا تستطيع الجغرافيا أن تفعله عندما تضيق، فيخلق للوجود متنفساً من حافة العدم، ويجعل من الأمل مكاناً فوق ركام الأمكنة.
في هذا البلد، تُنتزع الحرية من بين فكي الركام، ليس كرفاهية بل كعمل من أعمال البقاء. ويحيط بها إلغاء الصوت، وانتشار الفوضى، وانتشار العبث. ومع ذلك، يبقى؛ وكأنه وعد خفي أن حبة القمح، حتى لو دفنت في أعماق الغابة، لن تموت، بل ستستمر في النبض حتى تترك سنبلة.
التراب نفسه في هذا البلد أصبح دفترا متعبا، على صفحاته قصص نزيف وموت مكتوبة. بالعناد المهيب والصافي، لا تكف عن أن تنبت شيئًا أخضر خجولًا يتسرب من الشقوق، لا لتجميل الخراب، بل لترفع في صمتها الراية الخافتة.
من القلب المثقل بالجراح، يتسرب خيط من النور، كأنه عهد مقدس أن الدم في الوريد، رغم آلام الحجارة والروح، لن يتلاشى أو ينطفئ.
الخوف هنا ليس ظلاً يمر ويختفي، بل هو كائن مقيم، يتسرب إلى أصغر التفاصيل ويستقر فيها كمصير يومي. يعيش في الشوارع التي تسجل أصوات الخطى الحائرة، ويستمع في الجدران التي تخزن صدى الانتظار، وينظر في عيني الأم التي تقسم الوقت بين خبر وخبر، وكأنها تتمسك بالدقائق حتى لا تفلت. كأنها حقيبة معبأة على عجل، لا للإعلان عن رحلة، بل لترقب المجهول.
لم يكن الليل مرادفًا للصفاء أبدًا. يتحول في أغلب الأحيان إلى أبدية معلقة، ساعة ممتدة على حافة ما يمكن أن يحدث وما يرجى ألا يحدث. يمتد كالصخر على الصدر، كأنه اختبار استماع لمدى احتمال النفس.
وعندما تشتد أمطار النار، لا يتراجع الناس إلى الداخل كما تملي الغرائز الأولى، بل يخرجون، أكثر حضورا، يملأون الشوارع بما تبقى من ومضات من أنفاس تكاد لا تحصى حتى لا تضيع. يأتون لينتزعوا ما انقطع عن الهواء، ويرفعوا أصواتهم في وجه هدير الموت، ليس كتحدٍ صاخب، بل كتشبث أخير بالوجود.
إن أحجار رحى الصراعات تمر عبر هذا البلد، وهي لا تستسلم. وعندما تطول مكانتها، لا يمنحها الناس سيادة المعنى. إنهم يعترفون بالألم، ويسمونه، لكنهم يرفضون جعله حاكمًا على نفوسهم. وكأنهم يعلمون، بحدسهم العميق، أن الاستسلام لها هو الهزيمة الوحيدة التي لا إعادة بناء بعدها.
إنه الألم، رغم قسوته، لا ينجح في إطفاء تلك الشرارة الخفية التي تبقي القلب حياً. شيء ما، غير مرئي ولا يوصف، يرفض أن ينطفئ؛ كأنه رحيق زُرع في أحشاء هذا المكان، يجدد الحياة كلما أوشك على الانكسار.
ما سرك يا هذا البلد؟
لا فرحتك التي اختفت كالقمر الضائع، ولا قساوتك، فالأحجار هنا تعرف كيف تتشقق كما تتشقق القلوب.
وهذا الصدام المرهق بين الفرح المؤجل والحزن الدائم هو الذي لن يزول.
كيف يمكن للإنسان أن يبتهج وهو يرى الغد هشاً وبوضوح مؤلم؟ كيف يمكن لشعب أن يبني أيامه على أرض ترتعش تحت أقدامه وحبه؟
وحتى الحب هنا لا يخضع لمنطقه المعتاد. الحب الذي يعرف خصمه، ويصافحه دون تردد.
أصحابها لا يؤجلون مواعيدهم، لكن القصص لا تكتمل دائمًا. بعضها يختصر إلى نصف سطر، وبعضها يتوقف عند عتبة لا ينبغي أن تكون النهاية. وبالتالي فإن النتائج لا تشبه بداياتها، ولا تفي النهايات بوعودها. عندما تنكسر العهود والمواثيق، لا ينتظر الناس عودتهم، بل يصوغون لهم وجهًا آخر. إنها بدائل ولدت من الحرية والضرورة. حلول مريرة وحيل البقاء وسعي دائم للنجاة من غرق يتغير شكله ولا ينتهي.
في هذا البلد، لا تقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يملكه من وفرة. لا تقاس قامته بما أنقذه، بل بما قدمه عندما كان كل شيء صعبًا.
ربما لا يملك شيئاً.. ربما فقد شيئاً لا يمكن استعادته، ومع ذلك يمد يده كأنه يزرع في الفراغ.
يفتح بابه كأنه يعيد تشكيل العالم، ويتقاسم مع الآخرين ما بقي، ليس من فائضه، بل من نقصه، فيشفي أمتعة النزوح، وأسماء التهجير والاقتلاع، التي تراكمت طبقة فوق طبقة، حتى تئن الأرض تحت ثقلها.
هنا الكرامة لا تُمتلك… بل تُمارس؛ أن تعطي عندما لا يبقى شيء لتعطيه، وأن تحفظ وجه الإنسان،
حتى لو سقطت كل الأقنعة.
ولذلك فإن هذا البلد لن يسقط. عندما ينكسر لا يتفرق. ينحني ليجمع شظاياه، ويجتمع مع وجوه قومه، مع إصرارهم على عدم تشويه الجوهر، حتى لو اختفى كل شيء آخر. كأنهم حبله السري، وكأنه يسكن فيهم، لا في الأرض، بل في القلوب.
وهي ليست دولة تحددها الحدود والخرائط، بل هي دولة تتشكل كل يوم بين طرفين. حياة تصر على الظهور، على التقدم، على إعلان نفسها، وموت لا يكل من المطاردة، يتبعه كالظل الثقيل. يولد هذا التوتر الغريب بينهما. ثقافة العيش تقف في وجه الموت العاجل، وذاكرة الألم تسكن في قلب الفرح، لا تلغيه، بل لتمنحه عمقاً لا يمكن شراؤه.
فلا تبحثوا عن سرها في تقارير الحرب أو في نشرات الأخبار. ابحث عنها في هذا التوازن المستحيل. في ضحكة تخرج من بين الدموع وكأنها معجزة رائعة، وفي يد تمتد لتمسك أخرى، ليس لأن الطريق آمن، بل لأنه ليس كذلك.
وهو الوطن الذي لا يكتفي بالبقاء على قيد الحياة، بل يصر، في كل مرة، على إعادة اختراع الحياة.
وطن… اسمه لبنان.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#سر #لبنان. #توازن #مستحيل #بين #الحياة #والموت #صوت #لبنان #صوت #لبنان
سر لبنان.. توازن مستحيل بين الحياة والموت – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – سر لبنان.. توازن مستحيل بين الحياة والموت – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
