دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
وتشير المعطيات الإقليمية المتسارعة إلى أن المنطقة تتجه نحو فترة طويلة من عدم الاستقرار، إذ لم تعد الحروب تُحل سريعا، بل باتت مفتوحة على احتمالات التوسع والانقسام.
وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن الحرب قد تطول، وأن أي وقف إطلاق نار محتمل في إيران، في حال حدوثه، لن يعني بالضرورة نهاية المواجهة في لبنان، نظراً لاختلاف الساحات والحسابات المختلفة بين الأطراف المعنية.
وهذا الواقع تعززه مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يتحدث عن توسيع عملياته في لبنان، وهو ما يفرض توقعات بالأسوأ في المرحلة المقبلة.
إسرائيل التي تسعى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك على حدودها الشمالية، قد تجد في التصعيد وسيلة لفرض معادلات جديدة، سواء في إطار توسيع العمليات العسكرية أو من خلال انتهاج سياسة استنزاف طويلة الأمد.
وبناء على هذه المعطيات يمكن تصور المرحلة المقبلة ضمن أكثر من سيناريو محتمل.
الأول هو سيناريو التصعيد، حيث قد تتوسع العمليات في الجنوب وتتجه نحو استهداف أعمق داخل الأراضي اللبنانية، مما سيرفع مستوى المخاطر بشكل كبير.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار حالة الاستنزاف، أي بقاء الاشتباكات بوتيرة منخفضة أو متقطعة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وهذا خيار قد تفضله الأطراف لتجنب التكاليف الكبيرة مع الحفاظ على الضغط المتبادل.
بينما يبقى السيناريو الثالث قائما، وهو التهدئة المؤقتة، حيث قد يتم التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار لا يعالج جذور الأزمة، مما يجعلها عرضة للانهيار في أي لحظة.
وتعكس هذه السيناريوهات مجتمعة واقعا مفتوحا على احتمالات متعددة، وتمنح القارئ رؤية عملية لمسار الأحداث بدلا من الاكتفاء بالتحذيرات العامة.
في ظل هذه التطورات، تبرز حقيقة أساسية، وهي أن اللبنانيين لا يستطيعون السيطرة على قرارات الحرب والسلام، لأنها أصبحت فوق قدرتهم وترتبط بصراعات إقليمية ودولية معقدة.
إلا أن ذلك لا ينفي مسؤوليتهم في ضبط الأمور الداخلية الأساسية وأهمها إزالة الفتنة، خاصة في ظل مؤشرات التوتر التي بدأت تظهر على الأرض، الأمر الذي يستدعي أعلى درجات الحذر والوعي.
وتزداد خطورة هذا التحدي في ظل الهشاشة الاقتصادية التي يعيشها لبنان، والتي تشكل بيئة خصبة لأي توتر داخلي.
وأي تصعيد أمني، مهما كان محدودا، قد يؤدي إلى موجات نزوح داخلي من المناطق المتوترة، ويشكل ضغطا إضافيا على المؤسسة العسكرية، فضلا عن خطر التفكك الاجتماعي الذي قد يهدد ما تبقى من تماسك المجتمع اللبناني.
وهذا يجعل الاستقرار الداخلي أولوية لا تقل أهمية عن مواجهة التحديات الخارجية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تعي بعض القوى التي تهاجم الجيش خطورة هذا المسار، لأن المؤسسة العسكرية تبقى الركيزة الأساسية التي لا تزال صامدة في هذا البلد.
الجيش اللبناني ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل هو الضامن الأخير للوحدة، والجسم الوحيد الذي لا يزال يتمتع بقبول نسبي من مختلف الأطراف.
وأي استهداف له، سواء إعلاميا أو سياسيا، لا يضعف هذه المؤسسة فحسب، بل يضرب آخر خطوط الدفاع عن الدولة، ويعرض البلاد لمخاطر الفوضى والانهيار.
وعلى القوى اللبنانية كافة أن تدرك أيضاً أن إسرائيل، التي استفادت دائماً من الانقسامات الداخلية لإضعاف لبنان، هي وحدها التي ستستفيد من السجالات السياسية ومحاولات زرع الفتنة.
تؤكد التجارب السابقة، وخصوصاً ما أعقب حرب لبنان 2006، أن الانقسام الداخلي كان دائماً العامل الأخطر في تعميق الأزمات وتوسيع الخسائر.
إن إزالة الفتنة تتطلب وعياً ومسؤولية: وعي الناس برفض الانجرار إلى الخطابات التحريضية، ومسؤولية الدولة والقوى السياسية في ضبط الأداء والخطاب، لأن أي تراخي في هذا المجال قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
في موازاة ذلك، يبقى العمل الإنساني واجبا وطنيا لا يمكن التراجع عنه، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.
وفي هذا السياق لا بد من التأكيد على أن النازحين هم أهلنا وأبناء هذا الوطن، وهم يعانون كما يعاني كل اللبنانيين من تداعيات الأزمات والحروب، مما يفرض مقاربة وطنية شاملة تقوم على التضامن وليس الانقسام، وعلى حماية النسيج الاجتماعي بدلاً من تعريضه لمزيد من التمزق.
في الختام، يواجه لبنان مرحلة دقيقة تتقاطع فيها احتمالات التصعيد العسكري مع مخاطر الانهيار الداخلي.
وبينما قد لا يتمكن من التحكم في مسار الصراعات الكبرى، فإنه قادر على حماية نفسه من الفتنة، إذا توفرت الإرادة والوعي والمسؤولية.
فإما أن يستفيد اللبنانيون من دروس الماضي، أو سيجدون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة نفس السيناريوهات وبسعر أغلى.
ديفيد عيسى
#لبنان #بين #نار #الحرب #ونار #الفتن. #والجيش #الضامن #الأخير #للوحدة
لبنان بين نار الحرب ونار الفتن.. والجيش الضامن الأخير للوحدة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان بين نار الحرب ونار الفتن.. والجيش الضامن الأخير للوحدة
المصدر : www.elsharkonline.com
