.

اراء و اقلام الدستور – الانسحاب الأميركي من حرب إيران وتداعياته على التوازنات الإقليمية

سامر الشخشير8 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – الانسحاب الأميركي من حرب إيران وتداعياته على التوازنات الإقليمية


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة مفصلية مع تزايد التوقعات بانسحاب أميركي وشيك من الحرب على إيران، في ظل غياب استراتيجية واضحة أو خطة خروج محددة. وهذا الاحتمال لا يثير سؤالاً عسكرياً فحسب، بل يفتح أيضاً باباً واسعاً لتحولات جيواستراتيجية عميقة قد تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة لسنوات عديدة قادمة.
منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، بدا واضحاً أن القرار الأميركي يفتقر إلى رؤية سياسية متكاملة لما جاء بعد الضربة الأولى. في الأدبيات الاستراتيجية، لا تقاس الحروب بقدرتها على إضعاف الخصم فحسب، بل بمدى انسجامها مع الأهداف السياسية القابلة للتحقيق. لكن الخطاب الأميركي الأخير، بمناسبة مرور شهر على الحرب، عكس ارتباكاً في تحديد الأهداف النهائية، وأثار شكوكاً حقيقية حول وجود مسار واضح لإنهاء الصراع.
والسيناريو الأكثر إثارة للقلق هو الانسحاب الأميركي السريع الذي يترك إيران في موقف “الخصم الجريح”، القادر على الرد ولكن من دون احتمال التوصل إلى تسوية سياسية. ويقدم التاريخ الحديث أمثلة على تكلفة الانسحابات غير المحسوبة، حيث يتحول الفراغ الناتج إلى مساحة لإعادة إنتاج الصراعات بدلا من احتوائها. وفي الحالة الإيرانية، فإن الانسحاب من دون اتفاق شامل قد يعزز رواية طهران عن الصمود ويمنحها دافعاً إضافياً لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات غير تقليدية.
ومن أخطر أبعاد الأزمة إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية. وأدى تعطل الملاحة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما يهدد بدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود واسع النطاق. وهنا تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية، مما يضع مئات الملايين في مواجهة أعباء معيشية متزايدة. إن أمن الممرات البحرية ليس قضية إقليمية ضيقة، بل هو أحد ركائز الاستقرار الاقتصادي الدولي.
وإذا انسحبت واشنطن دون ضمان فتح المضيق وضمان حرية الملاحة، فسوف تواجه دول الخليج معادلة أمنية جديدة شديدة الحساسية. ومن دون مظلة الردع الأميركية، ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية كبرى تمتلك أدوات ضغط عسكرية واقتصادية فعالة. وهذا الوضع قد يدفع بعض هذه الدول إلى انتهاج سياسات مزدوجة: تعزيز قدراتها الدفاعية من جهة، والانفتاح الحذر على طهران من جهة أخرى، لتجنب المواجهة المباشرة.
وعلى مستوى التحالفات الدولية، فإن الانسحاب المحتمل سيترك أثراً عميقاً على صورة الولايات المتحدة كضامن أمني. وتشكل الثقة في الالتزامات الأميركية حجر الزاوية في شبكة تحالفاتها الممتدة من أوروبا إلى شرق آسيا. وإذا ساد الانطباع بأن واشنطن تدخل الحروب من دون استراتيجية خروج، ثم تنسحب تحت ضغط التكلفة السياسية والاقتصادية، فإن ذلك سيدفع حلفائها إلى إعادة النظر في حساباتهم، وربما إلى تنويع شراكاتهم الأمنية تجاه قوى أخرى مثل الصين وروسيا.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن إغفال البعد الداخلي الأميركي، إذ يشكل ارتفاع أسعار النفط وتأثيره المباشر على المستهلك الأميركي ضغطاً سياسياً كبيراً على أي إدارة. ومع اقتراب الانتخابات الانتخابية، قد يصبح الحد من المشاركة العسكرية خياراً مغرياً لتخفيف العبء الاقتصادي، حتى لو كان الثمن هو تآكل النفوذ الخارجي. وهنا تتجلى معضلة القوة العظمى بين الضرورات الداخلية ومتطلبات القيادة العالمية.
الانسحاب، في حال حدوثه، لن يكون نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. وقد تسعى إيران، التي تعرضت للضرب ولكنها لم تُهزم استراتيجياً، إلى إنشاء معادلة ردع جديدة في الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت نفسه، فإن الجهود التي تبذلها بعض القوى الإقليمية لبناء ترتيبات أمنية جديدة سوف تتسارع، سواء من خلال التفاهمات الثنائية أو الأطر الإقليمية الناشئة.
والدرس الأبرز المستفاد من هذه الأزمة هو أن استخدام القوة من دون رؤية سياسية متكاملة غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. الحروب ليست أحداثا معزولة، بل هي عمليات معقدة تتطلب إدارة دقيقة للمخاطر والتداعيات. وفي غياب ذلك، فإنها تصبح مصادر لعدم الاستقرار المزمن وليس أدوات لإعادة تشكيل التوازنات.
ولا يمكن فصل البعد الاقتصادي عن التحليل الاستراتيجي لهذه الأزمة. إن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل أزمة إمدادات النفط فحسب، بل يمثل أيضاً صدمة نظامية للاقتصاد العالمي المترابط. ويؤدي هذا الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى تضخم تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية ويؤثر على القوة الشرائية للطبقتين المتوسطة والفقيرة في مختلف أنحاء العالم.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن الانسحاب الأميركي المحتمل سيفتح الطريق أمام إعادة ترتيب جذرية لميزان القوى. وقد تجد تركيا، التي تسعى إلى تعزيز دورها كقوة إقليمية مستقلة، في هذا الفراغ فرصة لتوسيع نفوذها في العراق وسوريا. وقد تقدم روسيا، التي حافظت على علاقات متوازنة مع معظم أطراف الصراع، نفسها كوسيط محايد وضامن بديل للاستقرار. والصين بدورها ستراقب التطورات بعناية شديدة، باعتبارها أكبر مستورد للنفط من الخليج، وأي انقطاع طويل الأمد في إمداداتها يهدد استراتيجيتها التنموية. وقد نشهد تحركاً دبلوماسياً صينياً أكثر نشاطاً في المنطقة، ربما من خلال مبادرات الوساطة أو ترتيبات الأمن الجماعي تحت مظلة منظمة شنغهاي للتعاون أو مبادرة الحزام والطريق. وقد يؤدي العداء تجاه إيران إلى تسريع جهود التطبيع، أو تطوير قدرات ردع مستقلة أكثر استقلالية. وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي تواجه اليوم معضلة استراتيجية حادة. فهي من ناحية شريك تاريخي للولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى، هي جارة جغرافية لإيران لا يمكن تجاهلها أو الهروب منها. فالانسحاب الأميركي، في حال حدوثه، سيضعها أمام خيارات صعبة: إما الاستثمار بكثافة في بناء قدرات الدفاع الذاتي، أو السعي إلى تفاهمات أمنية مع طهران تضمن عدم الاستهداف المباشر.
وقد تقوم السعودية والإمارات، اللتان استثمرتا مليارات الدولارات في تحديث قواتهما المسلحة، بتسريع برامج أسلحتهما وتطوير قدراتهما الصاروخية والجوية. لكن القدرة العسكرية وحدها لا تكفي لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية التي تعتمد على الحرب غير المتكافئة والوكلاء الإقليميين.
أما قطر، التي حافظت على علاقات عملية مع طهران، فقد تقدم نموذجاً لدول الخليج الأخرى حول كيفية إدارة علاقة براغماتية مع إيران دون التخلي عن التحالفات الغربية. وعمان بدورها قد تعزز دورها كوسيط إقليمي محايد، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع كافة الأطراف.
وعلى مستوى أوسع، تثير هذه الأزمة تساؤلات جوهرية حول مصداقية الالتزامات الأميركية تجاه حلفائها. وإذا كانت واشنطن قادرة على الدخول في حرب ثم الانسحاب منها بسرعة تحت ضغط التكاليف السياسية والاقتصادية، فما قيمة الضمانات الأمنية التي تقدمها لحلفائها في أوروبا أو آسيا؟
أما دول أوروبا الشرقية التي تعتمد على حلف شمال الأطلسي كضامن لأمنها في مواجهة روسيا، فإنها ستشعر بقلق متزايد إذا رأت أن الولايات المتحدة تتخلى عن التزاماتها بسهولة. وهذا من شأنه أن يعزز الدعوة إلى بناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة، الأمر الذي من شأنه أن يضعف تماسك حلف شمال الأطلسي في الأمد البعيد.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، هناك حاجة ملحة إلى نهج دبلوماسي شامل يتجاوز المنطق العسكري الضيق. إن الحل المستدام للأزمة لا يمكن أن يأتي من خلال الضربات العسكرية وحدها، بل يتطلب إطارا سياسيا يعالج الأسباب الجذرية للتوتر في المنطقة.
وفي هذا الإطار يجب أن يتضمن عدة عناصر: أولا، ترتيبات أمنية إقليمية تضمن حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية. ثانياً، آليات ضبط الأسلحة وبناء الثقة بين دول المنطقة. ثالثا، معالجة القضايا المثيرة للجدل الكبرى، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني والصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.
ومن الممكن أن تلعب الأمم المتحدة، رغم فعاليتها المحدودة في السنوات الأخيرة، دوراً في توفير مظلة دبلوماسية محايدة لمثل هذه المفاوضات. ويمكن للقوى الإقليمية المؤثرة مثل تركيا ومصر والعراق أن تساهم في تطوير تفاهمات تدريجية. وحتى الصين وروسيا، اللتان لديهما مصالح حيوية في الاستقرار الإقليمي، وبالتالي قد تكونان شريكتين في صياغة حلول وسط.
وفي نهاية المطاف، تقدم أزمة الحرب الإيرانية درساً قاسياً في تكلفة القرارات الاستراتيجية غير الحكيمة. فالحرب التي بدأت دون استراتيجية واضحة أو خطة خروج محددة، تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.
الانسحاب الأميركي المحتمل لن يضع حداً للأزمة، بل قد يفتح فصلاً جديداً من عدم الاستقرار. إن إيران الجريحة والغاضبة سوف تسعى إلى تعزيز موقعها الإقليمي بأي ثمن. وستجد دول الخليج نفسها في مواجهة مباشرة مع جار قوي دون غطاء أميركي كامل. أما الاقتصاد العالمي فسيعاني من أزمة طاقة قد تمتد لسنوات. وسوف تتآكل الثقة في نظام التحالفات الأميركي بشكل خطير.
ولذلك فإن المنطقة اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح الدبلوماسية في بناء إطار جديد للأمن الجماعي يستوعب مصالح كافة الأطراف، أو تنزلق المنطقة إلى دوامة من الصراعات المفتوحة والفوضى الممتدة. أما الخيار الثاني، للأسف، فهو الأرجح في ظل غياب الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية لدى القوى الكبرى.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو نقطة تحول قد تعيد تشكيل خريطة القوة في الشرق الأوسط للعقود المقبلة. والسؤال المركزي الذي يواجه صناع القرار في واشنطن والعواصم الإقليمية هو: هل سيتعلمون من أخطاء الماضي، أم أنهم سيكررون نفس الأنماط التي أدت إلى الكوارث المتتالية في العراق وأفغانستان وليبيا؟ الجواب على هذا السؤال سيحدد مصير الملايين من البشر في المنطقة والعالم.
د. ابراهيم العرب

#الانسحاب #الأميركي #من #حرب #إيران #وتداعياته #على #التوازنات #الإقليمية

الانسحاب الأميركي من حرب إيران وتداعياته على التوازنات الإقليمية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الانسحاب الأميركي من حرب إيران وتداعياته على التوازنات الإقليمية

المصدر : www.elsharkonline.com

.