دستور نيوز
لقد نسي سام
الاثنين 2 مارس 2026 – 12:09
المصدر: الشرق الأوسط
وبين التفاوض مع إيران وضربها عسكرياً، غلبت الضربة، والدفع الإسرائيلي سبق التأجيل الأميركي. تقف المنطقة على أعتاب مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل توازن القوى الذي تحكمه منذ عام 1979. ولم يعد السؤال المطروح اليوم في الشرق الأوسط هو ما إذا كانت إيران سوف تتغير، بل كيف ومتى وبأي تكلفة، وماذا قد يتبع هذا التغيير. وهذا التحول، إذا تحقق، لن يثير مسألة انحسار الدور الإيراني فحسب، بل سيثير أيضاً سؤالاً موازياً: هل سيفتح الباب للسلام، أم أنه سيعيد إنتاج الصراع بأدوات جديدة؟
ونظراً لتأثير القصف، يبقى الانتظار الأميركي خياراً استراتيجياً مقصوداً، وليس تعبيراً عن الضعف والارتباك. وتخشى الإدارة الأميركية من أن تكون أي مواجهة مباشرة مع إيران واسعة النطاق ومكلفة عسكريا وسياسيا، خاصة في ظل حساسية الرأي العام قبيل الانتخابات وتصاعد التوترات الداخلية التي لا تبشر بالخير. وصدقت وسائل إعلام ما دار في واشنطن من نقاشات تناولت سيناريو تفضيل أن تقوم إسرائيل بتوجيه الضربة الأولى، وهو ما حدث أول من أمس السبت، بحيث يؤدي الرد الإيراني المحتمل إلى خلق بيئة سياسية داخلية تسمح بتوسيع التدخل لاحقا. وهذا النهج، إذا كان صحيحاً، يعكس محاولة لإدارة المخاطر بدلاً من الاندفاع إلى الحرب.
وعلى الرغم من الضربة الاستباقية، فإن المفاوضات سوف تظل المسار الأقل تكلفة والأكثر قابلية للإدارة. هناك اعتبارات أوسع. وتتجنب واشنطن الانخراط في حرب استنزاف في الشرق الأوسط قد تستهلك قدراتها العسكرية واللوجستية في وقت يتصاعد فيه التنافس مع الصين واحتمال التصعيد فيما يتعلق بتايوان. إن انتشار القوات والمصالح الأميركية في المنطقة يجعل أي رد إيراني شاملاً ومكلفاً، سواء باستهداف القواعد أو الملاحة أو الطاقة أو الحلفاء. وتركز المحادثات العلنية أو السرية الجارية على الملف النووي، كما ترتبط بملفات أوسع تشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي وتغيير السلوك الإيراني. ولذلك، تسعى الإدارة إلى الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، وإبقاء الخيارات مفتوحة.
لكن جوهر القضية يكمن داخل إيران نفسها. يبدو التغيير حتميا، حتى لو تعددت المسارات. وقد نشهد تحولاً نتيجة ضغوط داخلية أو صدمات خارجية، أو بقاء النظام مع تعديل سلوكه وصعود حركة أكثر براغماتية. وفي الحالتين، يبدو أن النموذج الأيديولوجي الذي حكم خلال العقود الماضية يواجه حدوداً واضحة، بعد الحروب الأخيرة والضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية.
وسينعكس هذا التحول بشكل مباشر على شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة. العملاء الذين شكلوا أدوات الردع سيواجهون واقعاً جديداً، إما من خلال الانخراط في الدول الوطنية أو من خلال التراجع التدريجي بسبب موازين القوى. وسيكون لبنان أحد أبرز ساحات هذا التحول. لأن مستقبل حزب الله مرتبط إلى حد كبير بنتيجة التغيير في طهران، وبقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها السيادي.
وهل تراجع الدور الإيراني يعني صعوداً تلقائياً إلى الدور الإقليمي الإسرائيلي؟ الإجابة بـ “نعم” ليست حتمية؛ فقدت الاتفاقيات الإبراهيمية بعض زخمها بعد حرب غزة، كما أن السياسات في الضفة الغربية تقوض فرص توسيعها وتعزز فرضية إدارة الصراع بدلاً من حله. كما أن تدخلاتها في سوريا ولبنان تثير مخاوف العديد من الدول العربية، مما يبقي التوتر مفتوحا، في حين أن الانقسامات الداخلية الإسرائيلية تعمق هشاشة القرار الاستراتيجي. ولذلك فإن قدرة إسرائيل على التحول إلى شريك إقليمي طبيعي تظل مشروطة بتغيير الرؤية السياسية، وليس فقط القدرات العسكرية.
والأهم من ذلك، أن غياب الأفق السياسي للقضية الفلسطينية يظل العائق الرئيسي أمام أي دور إسرائيلي طبيعي في المنطقة. ممارسات السنوات الأخيرة تعزز فرضية إدارة الصراع بدلاً من حله، وتبقي التوتر مفتوحاً، وتضعف الاعتدال العربي، وتؤجج التطرف. ومع ذلك، تظل إمكانية التغيير قائمة إذا ظهرت قيادة أكثر استعدادًا للانخراط في تسويات واقعية.
دولياً، يميل الموقف العام إلى رفض الانهيار المفاجئ للنظام الإيراني، ليس دفاعاً عنه، بل خوفاً من الفوضى وتكرار النماذج السابقة. وهذا يفسر التناقض مع إسرائيل، ويفسر أيضاً مرونة واشنطن في الجمع بين الردع والدبلوماسية. وحتى في ظل الدعم الأميركي الكبير لإسرائيل، تظهر تناقضات في ما يتعلق بالحرب على إيران، أو الخلافات حول غزة والضفة الغربية، أو حدود استخدام القوة.
في المحصلة، فإن المنطقة تدخل مرحلة انتقالية طويلة قد يتراجع خلالها النفوذ الإيراني، لكن من دون أن يعني ذلك نهاية الصراع. وقد ينتقل الشرق الأوسط من الصراع الأيديولوجي إلى التنافس على النفوذ بين قوى إقليمية أكثر واقعية، في سياق دولي متعدد الأقطاب. وقد تفتح هذه المرحلة فرصاً لخفض التوتر وبناء ترتيبات أمنية جديدة، لكنها لن تتحول تلقائياً إلى سلام مستدام.
إن عواقب التغيير في إيران قد تخلق نافذة لإعادة صياغة النظام الإقليمي، لكن نجاح هذه الفرصة يظل مشروطا بتغيير السياسات الإسرائيلية، وقدرة الدول العربية على بلورة رؤية أمنية مشتركة، ونجاح دول مثل لبنان وسوريا في إعادة بناء الدولة. وبدون ذلك قد يتراجع النفوذ الإيراني، لكن الصراع سيأخذ أشكالا جديدة، ولن يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة استقرار حقيقي.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#الضربة #الاستباقية #هي #باب #للسلام #أم #صراع #تحويلي #صوت #لبنان #صوت #لبنان
الضربة الاستباقية هي باب للسلام أم صراع تحويلي؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الضربة الاستباقية هي باب للسلام أم صراع تحويلي؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
