.

اراء و اقلام الدستور – لماذا أصبحت المعارضة أكثر صعوبة بعد سقوط نظام الأسد؟

سامر الشخشير17 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – لماذا أصبحت المعارضة أكثر صعوبة بعد سقوط نظام الأسد؟


دستور نيوز

ابراهيم خولاني

قد يبدو من غير المنطقي القول بأن كونك معارضاً اليوم أصعب مما كان عليه في سنوات الثورة. وكيف يكون ذلك بعد سقوط سلطة حكمت البلاد لعقود من القمع والإرهاب، ومنعت أي شكل من أشكال العمل السياسي؟ لكن النظرة إلى الواقع السوري الآن تكشف أن صعوبة المعارضة لا تأتي من أن السلطة أكثر طغياناً من سلطة نظام الأسد. المقارنة بينهما ليست ذات صلة في هذا الوقت. كما أن مستوى الحرية الذي أصبح ممكناً في سوريا بعد سقوط نظام الأسد قد يتجاوز ما هو عليه في بعض الدول المجاورة. كما أن الصعوبة لا تأتي من أن السلطة تشكل دولة نموذجية للحكم تنافس الدول المتقدمة في ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية. لا تزال سوريا في بداية طريق بناء الدولة، وتواجه عدداً غير قليل من التحديات. بل المشكلة أو الصعوبة تكمن في تفكك الشروط أو الشروط، سواء الذاتية أو الموضوعية، التي تجعل المعارضة السياسية فعالة.

قبل سقوط النظام السابق، لم تكن المعارضة السورية معارضة سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ طوال عقود سيطرته على الدولة، نجح النظام في تجفيف النشاط السياسي في البلاد إلى حد كبير. واختفت الأحزاب السياسية الحقيقية، وتحولت النقابات إلى مراكز تابعة لها بعد أن نجحت في إلغاء استقلالها، واستطاعت السيطرة على كامل الفضاء السياسي العام.

لكن عندما اندلعت الثورة السورية، تشكلت معارضة واسعة ومتنوعة، لكنها كانت إلى حد كبير معارضة أخلاقية كرد فعل على العنف والقتل الذي قمع به النظام التظاهرات. كان الخصم في ذلك الوقت واضحا وممثلا بسلطة قمعية يقودها دكتاتور اسمه بشار الأسد، وكان العنف المفرط الذي مارسه النظام هو حلقة الوصل أو التوحد بين المعارضين، بغض النظر عن أفكارهم وتوجهاتهم ومستويات وعيهم السياسي، ولم يكن قسم كبير منهم في ذلك الوقت مطالبا بأن يكون لديهم مشروع دولة أو برنامج حكم (وهنا أقصد عمومية الثوار أو من احتكرتهم سياسات النظام القمعية، ولا أقصد من اتخذوا القرار) تصدروا المشهد السياسي للمعارضة وفشلوا في تقديم مشروعهم لبناء الدولة). وكان الموقف الأخلاقي واضحا وهو رفض القتل والذل والطغيان.

وبهذا المعنى، كانت المعارضة فقيرة سياسياً ولكنها غنية أخلاقياً إلى حد ما، وهو ما أعطاها بعض الشرعية الاجتماعية رغم انقسامها.

ومع تواصل سنوات الثورة، بدأت محاولات تحويلها إلى معارضة سياسية، لكن هذا التحول لم يكن مقدراً له أن يكتمل. قسم كبير من المعارضين الذين دخلوا المجال العام لم تكن لهم تجارب سياسية سابقة، ولا خبرة تنظيمية ملموسة، ولا تدريب على العمل العام، بسبب عقود طويلة من منع السياسة أو تجفيفها.

وزاد الأمر تعقيداً تدويل القضية السورية، الذي لم يفتح الأفق السياسي للمعارضة بقدر ما حاول جعلها معارضة تابعة مجردة من قدرتها أو إرادتها. تحول الكثير من المعارضين إلى أتباع لسياسات الدول الممولة، ولم يصبحوا فاعلين مستقلين أو أصحاب مشروع وطني، إذ لم يكن الدعم موجها لبناء مؤسسات أو برامج، بقدر ما كان دعما لإدارة الصراع ضمن التوازنات الخارجية.

وكانت النتيجة أن بقيت المعارضة دون رؤية واضحة لشكل الدولة، ودون مشروع اقتصادي أو اجتماعي متكامل، ودون القدرة على تقديم بديل حقيقي للسلطة الاستبدادية التي ثار عليها الشعب السوري.

وبعد سقوط النظام، لم يعد الخصم واضح المعالم كما كان من قبل. وبعد أن يمثله نظام دكتاتوري ينافس كبار المجرمين والطغاة في القتل والتهجير، تحول هذا الخصم المحتمل إلى حالة لا تتجسد في عصابة معينة أو شخص معين، لأنه خليط معقد من عدة خصائص يحملها المجتمع السوري على اختلاف أعراقه وطوائفه، منها العقلية الاستبدادية التي تأثر بها الكثير من السوريين خلال العقود الماضية، وأيضاً الخوف الاجتماعي أو الاستبداد الاجتماعي الذي يدفع قسماً كبيراً من المجتمع إلى التحصن خلفه. أوهام. أو الانحياز الأعمى دون وعي، بما في ذلك إرث الاستبداد الشديد، أو الجهل في تحديد المصلحة العامة، أو تشتت تصوراتها بين شرائح المجتمع المختلفة.

كل ذلك جعل المجال العام مليئا بالأصوات العالية، خاصة أولئك الذين اعتادوا الاصطفاف مع أي سلطة قائمة أو التبجح لها، بينما تجد معارضين يخشون التصنيف الذي أثقل كاهل الثورة والثوار في العقد الماضي، مثل مصطلحي “إسلامي” و”علماني”، أو لا يريدون أن يحسبهم المجتمع ضمن فئات تابعة للخارج بأجندة انفصالية تهدف إلى زعزعة استقرار الدولة المنشودة.

في هذه الحالة، قد لا يكون الصوت الأعلى هو الصوت الأكثر تمثيلاً للناس وهمومهم أو اهتماماتهم، وقد لا يكون النقد مفيدًا أيضًا على المدى القصير.

أضف إلى ذلك أن المجتمع السوري اليوم وصل إلى حد كبير من التعب والضعف على أكثر من صعيد، لا سيما المستوى الاقتصادي، حيث تآكل قسم كبير من الطبقة الوسطى، مما جعل قضايا السياسة وشكل الحكومة مؤجلة بالنسبة لغالبية الناس، إذ هم منشغلون بتأمين أساسيات العيش، ولا يملكون الفائض النفسي أو المادي لممارسة السياسة وما يتبعها. في مثل هذا الواقع لا يصلح خطاب التعبئة الثورية، لأنه يحتاج إلى طاقة غير موجودة لدى عموم المجتمع السوري، كما أن خطاب السلطة لا يصلح أيضاً دون نتائج إيجابية ملموسة، لأن المجتمع شهد الكثير من الوعود غير المحققة على مدى العقود الماضية، ولأن السلطة، أي سلطة، تميل دائماً إلى السيطرة على كل شيء دون مشاركة.

وأمام هذه الحالة من ضعف الحضور أو محدودية التأثير للخطاب المتوازن أو المعارضة السياسية بمعناها الإيجابي، الذي يعني المراقبة والمحاسبة والدفع نحو الأفضل، لا يمكن القول إن هذا الاتجاه في طريقه إلى الخروج، رغم التحديات التي يواجهها، فقد سقط من دمروا بلدا وقتلوا مئات الآلاف من أجل إسكاته وإبادته، ومازلنا نراه حاضرا عند بعض المفكرين أو الناشطين أو العاملين في مجال المجتمع المدني، وهو خطاب عقلاني نقدي يحاول الموازنة بين الاستقرار والمساءلة، أو بين الممكن والمرغوب، لكنه خطاب يكاد يكون غير مسموع في الوقت الحاضر، لأنه لا يصرخ كثيراً، أو لأن صرخاته لا تعزف على أوتار العواطف، أو لأنه يخاطب العقل قبل أن يخاطب المشاعر.

وهنا تظهر مفارقة هذه المرحلة؛ الوعي السياسي موجود رغم قلة حامليه، إلا أن شروط فاعليته الاجتماعية تكاد تكون معدومة أو ضعيفة. وفي ظل هذا الواقع المعقد قد لا يبدو السؤال المنطقي هو ماذا نفعل؟ بقدر ما هو كيف نعمل دون وصفات أو أوهام جاهزة، أو كيف نعمل على التأثير في المجتمع أو السلطة دون نتائج كارثية، فإن الخطاب السياسي الناضج في هذه المرحلة لا يمكن قياسه بقدرته على التعبئة أو رفع السقف عاليا، بل بقدرته على الاستمرار والمحافظة على معاييره واستقلاليته، بما في ذلك رفض تصفيق السلطة، ورفض شيطنتها تماما أو شيطنة خصومها، وعدم الانزلاق في منطق الانحياز الأعمى.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن لهذا الخطاب أن يكون حياً وفعالاً إذا اكتفى بالحفاظ على نفسه فقط، لأن مصيره أن يصبح جامداً كما جمدت معارضة الأسد الأب، وأصبح خطابه فيما بعد أكثر جوفاء من خطاب السلطة نفسها. بل يجب أن تسعى إلى التأثير على المجتمع قدر الإمكان، من خلال نشر الوعي في مختلف المجالات، بما في ذلك المجال السياسي، والاقتراب منه من عواطفه وروحه ودوافعه النفسية والأخلاقية والاقتصادية، حتى نصل إلى إعادة تعريف الوطنية على أنها ليست طاعة عمياء للسلطة، ولا فوضى. باسم الحرية، هي عقد متبادل بين المجتمع والسلطة، على أساس المسؤولية والمساءلة والشراكة، وهذا ما يجب أن تفهمه السلطة والمعارضة معاً.

وفي هذا السياق، ليس من المفترض أن تكون المعارضة اليوم قوة صدامية تسعى إلى إسقاط كل شيء. بل يجب أن تكون قوة موازنة تراقب وتحاسب، وتدافع عن المجال العام، وتمنع إعادة إنتاج الاستبداد، دون أن تعادي فكرة الاستقرار أو تضع المجتمع أمام مغامرات لا يتحملها، كما يفعل بعض الرافضين للسلطة في جنوب سوريا. ولا يفهم هنا أن الدعوة إلى نجاح السلطة في الدولة الجديدة هي مسألة ولاية مفتوحة أو تبرير لأخطائها. بل هي دعوة من باب المسؤولية العامة لمنع الانزلاق إلى الفوضى التي سيدفع الجميع ثمنها.

إن نجاح أي سلطة في هذه المرحلة لا يمكن تحقيقه بالتصفيق أو تبرير الأخطاء، ولا بالمحسوبيات أو تضييق المجال العام، بل بالنصح الصريح والعمل الجاد والإصلاح الفعلي وفتح المجال للنقد كشرط للاستقرار وليس تهديدا له.

كما يجب على السلطة أن تفهم أن المعارضة لا تعني العداء، وعلى المعارضة أن تعلم أن الانتقال من الصراع إلى التوازن من خلال المراقبة والمحاسبة ومنع إعادة إنتاج الاستبداد سيمنع المجتمع من الانزلاق إلى مغامرات لا يتحملها، وفي الوقت نفسه سيحقق المصلحة الوطنية للشعب السوري.

وأمام كل ذلك، فإننا أمام مرحلة تتطلب إنتاج مشروع سياسي جديد للدولة والمعارضة، التحدي الأساسي فيه هو عدم عودة السياسة إلى الهامش مرة أخرى، وهذا يتطلب وجود قانون ينظم الأحزاب السياسية والعمل السياسي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق.

#لماذا #أصبحت #المعارضة #أكثر #صعوبة #بعد #سقوط #نظام #الأسد

لماذا أصبحت المعارضة أكثر صعوبة بعد سقوط نظام الأسد؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لماذا أصبحت المعارضة أكثر صعوبة بعد سقوط نظام الأسد؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.