.

اراء و اقلام الدستور – من الإبادة المعرفية إلى مقاربة فلسفية جديدة للتعليم

سامر الشخشير3 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – من الإبادة المعرفية إلى مقاربة فلسفية جديدة للتعليم


دستور نيوز

السيد الدكتور.العفن السائد

في غزة الأبية، خلال عامين من استهداف العملية التعليمية برمتها بهدم وتعطيل وقتل وتهجير وتهجير أكثر من مليون طفل، كانت الإبادة المعرفية مقصودة وممنهجة، وكأن الكتب المدرسية والمباني الجامعية تشكل خطرا على عدو قرر محاربة الحجر الصحي كما يحارب البشر. واستهدفت الطلاب والمعلمين دون مبرر واضح سوى إنهاء ملامح أي إبداع متوقع أو تفوق متوقع. صورة قاتمة لانهيار المباني وحرق الكتب وانتهاء ذكريات الجامعات التي تأسست منذ سنوات طويلة، وشكلت ذكريات فردية وجماعية وخلقت معارف ومهارات وقيما مرتبطة بماض عريق وحضارة تبقى البقاء للأرض والشجر والبحر. ويأتي ذلك ضمن بنية إبادة المعرفة، بما في ذلك محو الذاكرة المؤسسية، وقطع فرص إنتاج المعرفة، وحرق مصادر الوعي، والقضاء على أدوات التعلم.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل نجحوا في القضاء على التعليم؟ هل المدرسة والجامعة هي الأماكن الوحيدة التي نتعلم فيها؟ ألم تتحول الخيمة إلى مدرسة؟ ومراكز الإيواء إلى منتدى تعليمي؟ ألم يصبح الشارع الخالي من علامات الحياة معمل تجارب ومختبر عمليات؟ ألم يتحول الردم إلى فرصة للاكتشاف؟ إذا قسنا النجاح بعدد المدارس المهدمة، وإذا قسناه بعدد الكتب المحروقة، فقد يبدو الجواب: نعم. لكن إذا قسناها بعدد الأسئلة المتولدة، وعدد الخبرات المتكونة، وعدد الأطفال الذين استمروا في التعلم رغم المستحيل، فالإجابة واضحة: لا، فالإبادة المعرفية لم تنجح. بل إنها فشلت، وتحولت إلى دليل جديد على قوة المعرفة عندما تصبح جزءا من هوية الشعب، وذاكرة الوجود، ودليل البقاء وولادة الأمل.

لقد سعت المدارس ولا تزال تسعى، من خلال المناهج الدراسية المبسطة والكتب المدرسية المطبوعة، إلى تطوير مهارات حل المشكلات والتفكير النقدي، إلا أنها وفقا لنتائج الامتحانات الدولية، لم تتمكن من تعزيز مهارات التفكير العليا. ورغم كل أشكال الألم والخسارة والدمار، إلا أن الغزيين استطاعوا أن يثبتوا للعالم أجمع فشل كل النظريات التربوية، وهي أن الألم يقتل الحافز، وأن الفقد يشوه التفكير، وأن الحزن يشل الحركة. لقد نجحت غزة في إثبات العكس تماماً: الألم يمكن أن يكون دافعاً للفهم، والخوف يمكن أن يخلق اليقظة، والحزن يمكن أن يصبح باباً لإعادة تشكيل الوعي. وتمكن أهل غزة من تطوير مهارات حل المشكلات، وخلق أمل جديد في البقاء، وإيجاد بدائل لما لا بديل له، وتطوير حلول بدائية لما يعتبر حديثا، مثل التكنولوجيا والكهرباء وطرق تنقية المياه، واختراع الوقود لما يسمى بأنصاف المركبات.

لقد خلقت غزة نموذجًا تعليميًا تحرريًا فريدًا وعميقًا وشعبيًا يتشكل من الخسارة والخسارة والبقاء والوعي المتجدد. ولحظة انهيار الجدران ولدت مدرسة جديدة لا تشبه ما ندرسه في كليات التربية. مدرسة بلا فصول، بلا مناهج، بلا مختبرات، لكنها تضم ​​أهم عناصر التعلم، وهي الخبرة والفضول والتساؤل والتأمل. ومن دون أن يقصد أحد، تحولت غزة إلى مختبر عالمي للتعليم، التعليم الذي يجعل الإنسان هو المحور ويعيد تعريف العلاقة بين الألم والمعرفة.

يمتلك الطفل في غزة مهارة التحدث أمام الجمهور والدفاع عن حقوقه. وتساءل عن مصداقية الاتفاقيات الدولية. لم يتعلم التفكير النقدي من درس في الكتاب، بل تعلمه من الأسئلة التي تضرب روحه كل يوم: لماذا فقدت بيتي؟ لماذا فقدت مدرستي؟ ماذا تعني العدالة؟ هل الحق في التعليم حق مكتوب أم حق يمكن انتزاعه؟ ولم تكن هذه الأسئلة مواد دراسية في المنهج، بل كانت مفاتيح لفلسفة جديدة للوجود ووعي أعمق. الطفلة التي كانت تحفظ الدرس الآن تحفظ تفاصيل الصدمة، والطفلة التي كانت ترسم شمساً على دفترها بدأت تبحث عن شعاع ضوء ليلاً لتكتب اسمها على يدها خوفاً من عدم التعرف على جثتها إذا استشهدت.

قبل الحرب، كان المعلم الغزي ناقلاً للمعرفة، لكنه في العصر الجديد أصبح شاهداً على المعرفة التي تُخلق من الألم. لقد أصبح فيلسوفا، وليس عمدا. كان يتأمل الحياة مع طلابه داخل مركز الإيواء. وناقش إمكانية العيش، وفرحة اليوم الجديد، وكيفية الوصول إلى الإمدادات، ورائحة الخبز المصنوع من العدس. شرح لهم مفهومًا رياضيًا وهو يستحضر في ذهنه أسماء الطلاب الذين فقدهم بالأمس. وأوضح مفهوم الحرية بينما يعيش عكس ذلك تماما. عاد معلم إلى تلاميذه بعد أن فقد منزله ليقول لهم: قد ينتهي الجسد أما المعرفة فلا تنتهي. أحد مدرسي العلوم يشرح دورة المياه من خلال قطرات المطر المتساقطة داخل الخيمة. معلمة لغة عربية تحول قصص أطفال النزوح إلى دروس في التعبير والكتابة.

إن المرأة الفلسطينية، أماً ومعلمة، استطاعت الصمود والصبر والمقاومة في كل المحافل. واصلت التدريس والعمل والرعاية والتنشئة والحب وإخفاء الخوف وشفاء الألم. حملت الحقائب المدرسية بدلاً من حقائب النزوح وحولت خيمتها إلى فصل دراسي. لقد كانت المدرسة الخفية التي لا يمكن لأي عدوان أن يوقفها. كانت ولا تزال تحمل الطفلة على كتفها، وفي قلبها كتاب ودفتر وقصة ما قبل النوم. هي التي تعيد ترتيب الفوضى، وتعيد رسم المعنى، وتصر على أن يصبح الركام مكاناً صالحاً للحياة. إن تجربة غزة، المليئة بالقمع والألم، تتحدى الإنسانية الإنسانية، لكنها توفر مختبرا حيا لما يحتاجه التعليم في المستقبل: مناهج تضع الإنسان قبل المعرفة، وتربط التعلم بالسياق، وتدمج قيم التحرر والحقوق والوعي مع التعليم الذي يحترم كرامة الإنسان.

#من #الإبادة #المعرفية #إلى #مقاربة #فلسفية #جديدة #للتعليم

من الإبادة المعرفية إلى مقاربة فلسفية جديدة للتعليم

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – من الإبادة المعرفية إلى مقاربة فلسفية جديدة للتعليم

المصدر : www.alwatanvoice.com

.