قرار شجاع لوزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية د.محمد نوح القضاة باعادة الخطباء الممنوعين الى المنابر, والقرار يقطع الشك باليقين ان الوزير – اذا اراد – انتزع الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور والقوانين ومارس الولاية العامة كاملة ,لكن المهم هنا ليست شجاعة القرار ,وانما صحته وسلامة اجراء الوزير ,والسؤال الذي كان يفترض ان يسبق قرار السماح بعودة الخطباء الممنوعين ,هو لماذا منعوا اساسا من الخطابة في المساجد ..!؟ والحقيقة ان الخطباء الممنوعين لم يكونوا مشكلة عاجلة ,ولم يخسر المجتمع بغيابهم شيئا ,وكل واحد منهم يعرف اسباب منعه ,فمنهم من اختلط عليه الأمر فجمع بين خطبة الجمعة وخدمة الحزب والجماعة ,ومنهم من جعل من المنبر منصة اطلاق للفتاوى والتحريض والدعوة الى التعصب والتطرف ,ومنهم من اساء للاخرين في استغلال للمنبر ,وهؤلاء لم يكونوا أكثرية وفق ما يتوفر من معلومات ,مما يعني ان البعض منعوا ظلما وبلا اسباب مقنعة . مشكلة الخطابة في ايام الجمعة ليست في الاسماء وقرارات المنع او قرارات السماح ,وانما في الموضوع ,وهي مشكلة مستفحلة تمثل ازمة نضوب الافكار او عدم تجديدها او التزمت في تقاليد الخطابة ,والى اليوم ونحن نتجاهل الحاجة الى التجديد على مستوى الامة ولا نتجرأ على طرح قضايانا المعاصرة مستعينين بالدين على حلها,والدين من وجهة نظر سارية المفعول وعامة يعتبر تقضية لواجب غيبي وليس حلا للأمراض الوجودية التي تراكمت ,والبعض لا يتصور دور الدين الا سياسيا في زمن الاصلاح والتغيير والربيع العربي ,ورغم التغيير الهائل في طريقة التفكير المجتمعي فان مواضيع خطب الجمعة بقيت على حالها ولم تتغير في وقت اصبحت فيه الحاجة ماسة الى المسجد ليكون جامعة تهذب الروح اضافة الى كونه جامع للعبادة ,فكيف يتجسد دور المسجد في خطب الوعاظ وخطباء الجمعة ,واي مواضيع يعرضها المتحدثون للمؤمنين الشغوفين بالمعرفة ,وكيف نجعل من المسجد منبر تنوير للامة ومصلى وبيت علوم ينهل منه الناس المعارف اليومية في التوعية من المخاطر التي تحيق بالاوطان الان وفي المستقبل, ثم كيف نكرس للمنبر مكانته لا مكانه في يقين المؤمن فلا يأتيه لأن عليه ان يأتيه ,وانما لانه راغب في سماع ما يقال ,ولانه هناك يسمع ما هو جديد ومعاصر ويحاكي مقتضيات التعامل مع التحديات الكبيرة ,هذه هي الاسئلة الاكثر اهمية من القرارات التنفيذية ..! وزير اوقاف شاب لأول مرة ,والشباب في هذه الحالة لا يقاس بعدد سنوات العمر وانما بمستوى حداثة الافكار التي يحملها وهي كذلك بدليل الشعبية التي يحظى بها الوزير بين اوساط الشباب , ثم بواقعية هذه الافكار والحاجة اليها والمستفاد منها وبكل تأكيد امكانية تطبيقها على ارض الواقع ,واليوم لدينا عشرات المواضيع التي تحتاج الى جهود المنظرين واصحاب الخبرة والحكمة والرأي ,ففي زمن تنحدر فيه القيم الى الحضيض وتصاب الامة بالاحباط وتثقل بنكساتها نحتاج الى صوت مسموع يستحث الهمم ويلهمها القوة على النهوض وعلى الصدق والصواب والتعاون والتكافل واحترام الاخر ,وفي زمن يحضر فيه المسؤول وتغيب المسؤولية فيسقط المجتمع في وحل الترهل والخمول والفوضى نحتاج الى وعاظ يصلون الناس تأدية لواجب لا تقضية لوقت الوظيفة ,ونحتاج الى خطباء يبعثون في الامة روح التسامح والسلام وحب العمل وتعظيم الانجاز , وفي زمن الاصلاح والتغيير والانعتاق من جاهلية الثابت من مخلفات التاريخ , نحتاج الى وعاظ من هذا الزمان الذي نصارع فيه على البقاء إن لم يكن على الريادة ,فليكن القرار اذن – بعد قرار اعادة الممنوعين من الخطباء- اعادة النظر في مواضيع الخطب والمواعظ الممنوعة او تلك التي لم يجازف خطيب بالحديث فيها لاعتقادة انها تابوهات مغلقة ,فلنتحدث في مخاوفنا من انتشار الجريمة والعنف والفساد وحوادث السير والواسطة والمحسوبية والرشوة والغش وشراء الذمم والتحايل على القانون واهمال الواجب وفي الاصولية والتخلف,ولنتحدث في حوار الحضارات والسلام العالمي وفي مشاكل الشباب وفي الاعتدال والوسطية والمفاهيم المعاصرة والتعايش والعلوم وفي ارتقاء المجتمعات الغربية وتطورها والديمقراطية والحريات وحقوق الانسان , ولنتحدث في الموالاة والمعارضة واسلوب الاحتجاج والاعتراض ,لنتحدث في السرطان والتدخين والسكري والسمنة والضعف الجنسي ,لنتحدث في كل ما كان مهملا وغير مهم… لانه الأهم اليوم .
جهاد المومني