دستور نيوز
فالعلم لا يتقدم باليقين المطلق، بل بالقدرة على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها. ولكن عندما تتحول المجلات الأكاديمية إلى إمبراطوريات ربحية تقدر “الأسبقية” على “الدقة”، فإن الخطأ العلمي يصبح بمثابة لغم للوقت يهدد السياسات العامة، ويهدر الأموال، ويعرض حياة الناس للخطر.
إن نظام “التصحيح الذاتي” الذي طالما افتخر به المجتمع العلمي اليوم يعاني من فشل بنيوي. يتم أحيانًا دفن التصحيحات خلف نظام حظر الاشتراك غير المدفوع، بينما تستمر الأبحاث المعيبة في حصد الاستشهادات والتأثير على عملية صنع القرار لسنوات عديدة.
تُظهر التجارب الحديثة أن الأخطاء الجسيمة تمر بسهولة عبر نظام مراجعة النظراء في المجلات المرموقة. في عام 2025، ارتكبت الدراسات البيئية أخطاء فادحة فيما يتعلق ببيانات الأقمار الصناعية لمزارع النخيل والمطاط. ورغم ثبوت الخطأ، إلا أن ظهور التصحيحات استغرق وقتا طويلا وبقي مخفيا وراء الاشتراكات المدفوعة.
وهذا التأخير ليس مجرد تفصيل فني، بل هو تضليل منهجي. وفي المجال الطبي، أدت البيانات الخاطئة حول علاجات «كوفيد-19» إلى توقف التجارب العالمية، وهو ما يثبت أن التباطؤ في سحب الأبحاث الفاشلة يكلف البشرية غالياً.
الربح على الدقة
أصل الأزمة هو تحول النشر الأكاديمي إلى «آلة تمويل دائمة» تحقق هوامش ربح تتجاوز 28%، وهي نسبة تفوق الشركات التكنولوجية الكبرى. يعتمد هذا النموذج على مفارقة غريبة: يقوم العلماء بإجراء ومراجعة الأبحاث مجانًا، ثم تبيع المجلات هذه النتائج لمؤسساتها بأسعار فلكية. في هذا المناخ، يصبح سحب المقالات «خسارة تجارية» واعترافاً يهدد السمعة، مما يدفع الناشرين والباحثين إلى تفضيل الابتكار المثير على الدقة المملة، ويجعل عملية التصحيح عملية شاقة تفتقر إلى الحوافز.
يواجه نظام مراقبة الجودة ضغوطًا غير مسبوقة. ومع تسارع الإنتاج العلمي وتدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة أبحاث تبدو قوية، تجاوزت عمليات سحب المقالات 10 آلاف حالة في عام 2023 وحده. هذه الأرقام ليست دليلاً على صحة النظام، بل هي صرخة استغاثة لمواجهة الخلل في «التصفية». كما أن رسوم النشر الباهظة، والتي قد تتجاوز 12 ألف دولار، تمنع الباحثين في الدول النامية من المشاركة في هذا الحوار العلمي أو المساهمة في كشف الأخطاء وتصحيحها.
الشفافية واستعادة روح العلم
إن إصلاح العلم يتطلب الشجاعة اللازمة لإعادة تعريف “النزاهة”، بحيث لا يُنظَر إلى التصحيح باعتباره فشلاً، بل باعتباره سمة من سمات الجودة العلمية. وينبغي للمؤسسات والممولين مكافأة الباحثين الذين يكشفون الأخطاء، وينبغي للمجلات أن تتبنى نموذج “الوصول المفتوح الماسي” الذي يضمن المراجعة الجماعية السريعة.
إن الأدوات التقنية، مثل المنصات المفتوحة والبيانات المشتركة، موجودة بالفعل، ولكن ما نفتقر إليه هو الإرادة لكسر جدران الصمت. إن القوة الحقيقية للعلم لا تكمن في معصومته من الخطأ، بل في شفافيته وقدرته المباشرة على الاعتراف بالخطأ.
#أخطاء #في #الأبحاث #البيئية #والطبية. #معادن #علمية #صحيفة #الخليج
أخطاء في الأبحاث البيئية والطبية.. معادن علمية صحيفة الخليج
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – أخطاء في الأبحاث البيئية والطبية.. معادن علمية صحيفة الخليج
المصدر : www.alkhaleej.ae
