.

هل الأردن على حافة الخطر بعد تصنيفه أفقر دولة في العالم من حيث الموارد المائية؟

هل الأردن على حافة الخطر بعد تصنيفه أفقر دولة في العالم من حيث الموارد المائية؟

دستور نيوز

عمان – أثار تصنيف الأردن كـ “الأول” دولة فقيرة مائياً في العالم، بحسب تصريحات وزير المياه والري رائد أبو السعود مؤخراً، تساؤلات حول كيفية إنقاذ المملكة من مخاطر شح المياه التي تهددها، مقابل فعالية الإجراءات والاستراتيجيات التي تنفذها وزارة المياه والري على أرض الواقع. وفي الوقت نفسه، أثارت هذه التصريحات جدلاً حول كيفية حساب حصة الفرد من المياه، التي أشار الوزير إلى أنها وصلت إلى 61 متراً مكعباً سنوياً، وسط مؤشرات عالمية تحدد خط الفقر المائي لاستهلاك الفرد السنوي من المياه عند 500 متر مكعب سنوياً، ما يعني أن حصة الفرد السنوية من المياه في الأردن أقل بنسبة 88% من خط الفقر المائي، حيث تصدر الأردن الآن قائمة أفقر دول العالم بعد أن كان في المرتبة الثانية. وقال خبراء في قطاع المياه لـ “الدستور نيوز” إن “شح المياه المتاحة مكلف وغير كاف لتلبية الطلب على المياه”، ما يتطلب “اللجوء إلى حلول مائية غير تقليدية، وهي مصادر ذات تكاليف استخراج عالية”. وحول تصريحات أبو السعود الأخيرة التي قال فيها إن الأردن أصبح أفقر دولة في العالم من حيث الظروف المائية، تشير الأرقام العالمية إلى أن الدولة التي يستهلك فيها الفرد الواحد 500 متر مكعب سنويا هي دولة فقيرة، في حين أن حصة المواطن من المياه لا تتجاوز 61 مترا مكعبا، مشيرا هنا إلى أن أي منزل في الأردن يحصل على المياه ليوم واحد في الأسبوع بسبب نقص المياه. وأوضح أن الأردن يفتقر بشدة إلى المياه السطحية، مثل البحيرات والبحار والأنهار، وأقرب مصدر للمياه السطحية هو البحر الأحمر، رغم أن الكثافة السكانية تتركز في المناطق الشمالية والوسطى، الأمر الذي يتطلب تحلية مياه البحر الأحمر (خليج العقبة) ونقلها إلى القطاعات الصناعية والزراعية والسكانية. وأشار الوزير إلى أن أي مشروع يزيد كميات المياه بمقدار متر مكعب هو مشروع مهم للأردن، فكيف بمشروع مهم يحل مشكلة المياه حتى عام 2050، مثل مشروع الناقل الوطني للمياه؟ وأشار إلى أن الأردن وصل إلى “الناقل الوطني” لاختيار المستثمر، وهو ائتلاف شركات فرنسية لها تجارب ناجحة مع الأردن حالياً، مثل مطار الملكة علياء ومحطة مياه السمرا. وأكد مختصون في المياه أنه على الرغم من الجهود “الجبارة” التي يبذلها قطاع المياه الأردني في إدارة هذا القطاع من خلال إعداد الاستراتيجيات، ومحاربة التعديات على المياه مثل الاعتداءات على مصادر المياه، وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مشاريعه، مما ساهم في وصول المياه إلى أغلب السكان، إلا أن التحديات التي تواجه القطاع “معظمها خارجة عن السيطرة”، مثل عواقب أزمات اللاجئين المتتالية وتداعيات التغير المناخي، إلا أن إدارة القطاع ما زالت تواجهها وتواصل البحث عن حلول أخرى تساعد في تحقيق الأمن المائي من خلال آليات ومفاهيم أخرى، مستفيدة من آليات تمويلية جديدة، مثل تمويل المناخ. من جانبه، أكد أمين عام سلطة المياه السابق إياد الدحيات، على أهمية “الاستقرار المائي”، باعتباره مكوناً رئيسياً للنمو الاقتصادي والعيش الكريم للمواطنين، و”مدخلاً أساسياً في القطاعات الصناعية والتعدينية والزراعية والاستثمارات في المملكة”، مشيراً إلى مجموعة من المؤشرات العالمية التي يتم الاعتماد عليها لتقييم وضع الدول، ومنها الأردن، من حيث المياه، وأهمها (مؤشر الإجهاد المائي) و(مؤشر ندرة المياه). وقال الدحيات إن “مشروع جر مياه الديسي زود الأردن بـ100 مليون م3 منذ عام 2013، وهي كمية ممتازة، ولكن للأسف انطلق المشروع في ذلك العام، مع وجود أكثر من مليون لاجئ سوري، معظمهم في المجتمعات المضيفة وخارج المخيمات، وبالتالي فإن هذه الكمية لم تغير جذرياً من إمدادات المياه للمواطنين من خلال برامج التوزيع الأسبوعية، ولكن كان من المهم الحفاظ على مستويات التزويد المائي”. ودعا الأمين العام السابق لـ«المياه» إلى ضرورة «تطوير إجراءات العمل المتعلقة بموضوع كشف وتحديد الاعتداءات على مصادر المياه التي تم اعتمادها منذ انطلاق حملة تشديد الرقابة في العام 2013، لتكون بشكل يقلل الاعتماد على العامل البشري، ويعزز استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأنظمة الحديثة وأنظمة الطائرات بدون طيار، بالشراكة مع القطاع الخاص والشركات المتخصصة»، مضيفاً «يجب وضع برامج توعية بهذا الخصوص، ونشر نتائج الحملة وأسباب الاعتداءات بشكل دوري لإطلاع كافة الشركاء والمواطنين». وشدد على ضرورة الإسراع في تنفيذ المشاريع القصيرة والمتوسطة المدى لتنمية مصادر المياه وتحسين الإمداد المائي في المحافظات خلال الفترة المقبلة، وقبل وصول مياه “الناقل الوطني” للتحلية، خاصة وأن الأولوية في السنوات السابقة كانت لإطلاق استراتيجيات وسياسات مائية مهمة ومتعددة، وكان آخر مشروع لتعزيز مصادر المياه؛ تنفيذ مشروعي نقل مياه وادي العرب (2) في عام 2019 ومشروعي نقل مياه الديسي في عام 2014. وشدد الدحيات على أهمية الإسراع في المفاوضات المباشرة بين لجنة المشتريات الخاصة والائتلاف المفضل بشأن المتطلبات الفنية والمالية والتعاقدية لـ”الناقل الوطني”، وهو المشروع ذو الأولوية لتحقيق أمن الإمداد المائي، ووضع جدول زمني عاجل لتنفيذ المشروع من قبل هذا الائتلاف بكل مرافقه، بما في ذلك إمكانية التوريد المبكر لجزء من إجمالي كميات مياه المشروع البالغة 300 مليون م3 قبل نهاية فترة التنفيذ البالغة 4 سنوات، وإعادة توزيع مخاطر المشروع وكل مرافقه الرئيسية على الطرف الأكثر تضرراً. وشدد على أهمية الاستمرار في خفض الفاقد المائي الذي لا يزال يشكل نحو 50% من كميات المياه التي يتم ضخها في كافة المحافظات، ووضع مؤشرات أداء ملزمة لمواصلة خفضه بما يعزز ثقافة المساءلة والحكم الرشيد، لتعزيز الإمداد المائي للمواطنين. من جهتها تساءلت الخبيرة الدولية في الدبلوماسية المائية ميسون الزعبي عن المقصود بحصة الفرد السنوية وكيف يتم حسابها، موضحة أن هذا الرقم يتعلق بالمياه التقليدية المتاحة، بما فيها المياه السطحية والجوفية، والتي تقسم قيمتها على عدد السكان، فيخرج برقم يمثل حصة الفرد السنوية. “الأردن أفقر أو من أفقر الدول، ليس لدي أي أرقام في العالم لأقارنها بها، ولكن برأيي هي من أفقر الدول ذات الموارد القليلة، مقارنة بدول الخليج مثلا، فالمياه المتوفرة قليلة، ولكنها دول غنية تعوض النقص في المياه التقليدية بتحلية المياه. ومثال آخر فلسطين المحتلة وقطاع غزة، فوفقا لاتفاقية أوسلو فإن فلسطين المحتلة لا تملك السيطرة على مواردها التقليدية، فما هو تحت الأرض يعود للدولة المحتلة حسب الاتفاقية، وبرأيي هي أيضا من أفقر الدول”، بحسب الزعبي. وبالعودة إلى تصريحات وزير المياه، أوضح الزعبي، “برأيي أنه يقصد بهذه الحصة الضئيلة أن المياه المتوفرة بالكلفة المجدولة قليلة ولا تكفي لتلبية الطلب على المياه، وبالتالي نحن بلد مشكلته المائية الأكبر هي شح المياه، ويريد أن يشير إلى أن الحل هو اللجوء إلى المياه غير التقليدية وهي مصادر ذات كلفة استخراج عالية على عكس المياه التقليدية، مثل بناء السدود واستكشاف الآبار العميقة وإعادة استخدام المياه المستخدمة بأنواعها وتحلية المياه، وهو ما بدأنا به بالفعل بتحلية مياه آبار المسوس ومياه البحر حالياً”. وأضاف الزعبي “هذا بالإضافة إلى ضعف الملاءة المالية لسلطة المياه، ليس فقط بسبب دعم التعرفة وعدم كفايتها لتغطية تكلفة توفيرها، بل أيضاً ضعف كفاءة إنتاج المياه وإدارة التزويد، وأسباب ذلك كثيرة، أهمها ارتفاع نسبة المياه غير الربحية والمياه المستخدمة غير المدفوعة، ولحل هذه المشكلة لجأت الوزارة إلى الاقتراض، وأيضاً إلى المشاركة مع القطاع الخاص والسماح بالاستثمار فيه، ما جعل هذا النوع من الشراكة مكلفاً لإنتاج المياه، لكنه من ناحية أخرى أكثر كفاءة، مثل مشاريع محطة تنقية السمرا والديسي، وحالياً مشروع تحلية البحر الأحمر”. وتابع الزعبي “الرسالة هنا هي الحذر أيها الأردنيون، لأن تكلفة المياه المستوردة مرتفعة، ومن واجبنا الحفاظ عليها والعمل معاً لضمان استدامتها، سواء بدفع تكلفتها وعدم اللجوء إلى الاستخدام غير المشروع، وضرورة ترشيد الاستهلاك لإدارة الطلب على المياه”. وعن جهود وزارة المياه في إدارة هذا القطاع من خلال إعداد الاستراتيجيات ومكافحة المخالفات المائية وفتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مشاريع المياه، أكد الخبير أنها “جهود جبارة تستحق الشكر عليها، وهي مفيدة بالتأكيد، ولولاها لما وصلت المياه إلى كل بيت أردني تقريباً في ظل التحديات التي يواجهها القطاع والتي لا تملك الوزارة السيطرة على معظمها، مثل: الهجرة القسرية لأشقائنا العرب من حولنا وتداعيات التغير المناخي”. وتابعت “إن القطاع ما زال يبحث عن حلول أخرى تساعد في تحقيق الأمن المائي بآليات ومفاهيم أخرى، مستفيدة من آليات تمويلية جديدة، مثل تمويل المناخ، وهو المال المتاح للراغبين بالاستفادة منه في مشاريع التكيف أو التخفيف من آثار التغير المناخي، ومثال على ذلك المشروع المقدم والممول من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بتكليف من الحكومة لصندوق المناخ الأخضر، كونه جهة معتمدة لدى الصندوق، ضمن مشروع “بناء القدرة على التكيف مع التغير المناخي في الأردن من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه في القطاع الزراعي”. كما ناقشت جدوى إنشاء سدود المياه الجوفية في الأردن، مستفيدة من تجربة تركيا في هذا المجال، التي توفر السدود بتكاليف أقل وبمعدل تبخر منخفض، من خلال مبادرة السلام الأزرق، التي تهدف إلى بناء شراكات وعلاقات تعاون بين الدول الأعضاء للاستفادة وتبادل الخبرات. من جانبه، أكد خبير مائي، فضل عدم ذكر اسمه، على أهمية اعتماد الحلول التي تسير وفق تنفيذ «الناقل الوطني»، بحيث يتحول التزويد حينها إلى تزويد مستمر، ويصبح من السهل حينها رصد «الهدر المائي»، بالتوازي مع الحلول التي تسير وفق الحد من الهدر. وقال الخبير، إن الهدر المائي بحسب التعريف الدولي هو المياه التي «لا تدر دخلاً»، وبالتالي فإن أي خفض في الهدر المائي يجب أن ينعكس بنفس النسبة في زيادة دخل سلطة المياه «وهو ما لم يتحقق حتى الآن». ولفت الخبير إلى أهمية الحفاظ على كامل كميات المياه الناتجة عن «الناقل الوطني»، والتي تقدر بنحو 300 مليون متر مكعب، من دون ضياع أي هدر مائي منها وهدرها بلا دخل، خاصة وأن الهدر المائي يشمل عنصرين؛ الأول عنصر الهدر المائي من الشبكات وهو الهدر المادي، والعنصر الثاني إدارة العدادات وإدارة مشتركي المياه والاعتداءات على مصادر المياه.

هل الأردن على حافة الخطر بعد تصنيفه أفقر دولة في العالم من حيث الموارد المائية؟

– الدستور نيوز

.