.

عالم الأسرة – كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأبناء؟

اخبار الأسره31 يناير 2026
عالم الأسرة – كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأبناء؟


دستور نيوز

عنب بلدي – علاء شعبو

“ماما، أبي، لماذا لست هنا؟” هو سؤال يومي تطرحه نور (خمس سنوات) قبل النوم. تواجهه الأم تارة بقصص «الأسفار الطويلة»، وتارة أخرى بصمت ممزوج بالقلق. خلف جدران هذا المنزل، لم تعد القصص كافية لإقناع الطفل الذي بدأ يلاحظ الفرق بين واقعه وواقع أقرانه. غياب الأب هنا ليس مجرد انخفاض في عدد أفراد الأسرة، بل تغيير جذري في «نظام الحماية» والأمن اليومي الذي تنمو في ظله «نور».

بعد سنوات الحرب الطويلة، لا يكاد يخلو حي في سوريا من أشخاص مثل “نور” التي نشأت في ظل غياب الأب (بسبب الفقد أو السفر أو الغياب). وفرض هذا الواقع ضغوطاً سلوكية ونفسية متزايدة على الأطفال، ووضع الأسرة أمام تحدي مزدوج يتمحور حول كيفية تعويض هذا الفراغ دون إغراق الطفل في مشاعر “كاملة” أو دفعه إلى نضج قسري يسرق طفولته.

ترجمة المشاعر من خلال السلوك

ترى الأخصائية النفسية رنا رضوان أن الطفل الذي يغيب والده يمر بظروف نفسية معقدة تتجاوز مجرد الحزن. يوضح رضوان، في حديث إلى عنب بلدي، أن “العصبية والعدوانية” التي تظهر لدى الطفل، كالصراخ المتكرر أو الضرب أو حتى العض، ليست مجرد سوء سلوك، بل “ترجمة جسدية” للتوتر والضغط النفسي الذي يعيشه.

ويعزو رضوان هذه السلوكيات إلى أسباب عميقة، أهمها عدم وجود التواصل العاطفي الكافي وعدم الاستقرار في البيئة الأسرية المحيطة. لكنها تضع أصبعها على “الجرح التربوي” الأكثر شيوعاً في البيوت السورية اليوم، بحسب وصفها، وهو “التذبذب في العلاج”، حيث يتلقى الطفل رسائل متناقضة من أفراد الأسرة الممتدة (الجد، العم، الخال)، ما تشتت بوصلته السلوكية وتزيد من حدة عدوانيته.

متى يجب أن نقلق؟

​يؤكد الأخصائي النفسي أن هناك “خطوط حمراء” تتطلب التدخل المهني، وهي عندما يستمر السلوك العنيف لفترة طويلة دون تحسن، أو عندما يبدأ هذا السلوك في التأثير على أداء الطفل الأكاديمي وعلاقاته الاجتماعية. وتحذر من تجاهل هذه العلامات إذا لم تنجح أساليب التوجيه التقليدية في احتواء نوبات الغضب.

إدارة الأزمات

لا يمكن فصل قلق الطفل عن صراع والدته اليومي مع الواقع الاقتصادي في سوريا. هنا، تشخص الأخصائية التربوية بشرى مروة التقاطع بين العجز المالي والقلق التعليمي. الأم التي يطلب منها الحوار الهادئ هي نفسها التي تنهك في تأمين لقمة العيش وسط ظروف مالية صعبة.

هذا الضغط المالي لا يقتصر على الفقر فحسب، بحسب الأخصائية النفسية رنا رضوان، بل هو «إرهاق عصبي» يجعل الأم تنفد صبرها، وتحول أي هفوة من جانب الطفل إلى شرارة لانفجار غضب غير مقصود.

تقترح مروة علاجًا اقتصاديًا تربويًا يتجاوز النصائح التقليدية، وهو “تمكين الاستقلال”. وبدلاً من الإدلاء بتصريحات العجز التام أمام الطفل، تنصح الأم بإشراكه في “ميزانية المنزل” بشكل مبسط. وهذا الوعي المادي يحول الطفل من “مستهلك قلق” إلى “شريك متفهم”. ويدرك قيمة الجهد ويقلل من عدوانيته الناتجة عن الحرمان. كما تدعو مروة إلى إحياء “الاقتصاد التشاركي” من خلال تعليم الطفل إصلاح أغراضه أو إعادة تدوير ألعابه، مما يعيد له مشاعره. بـ«الكفاية» والقدرة على الإنتاج بيديه، وهي مشاعر تمنحه القوة والمساواة للتعويض عن غياب سلطة الأب الحامية.

“”رجل البيت الصغير””

تحذر الأخصائية النفسية رنا رضوان من العبارة الشائعة التي تقال للطفل: “أنت ربة منزل”. وتعتبره “السم في العسل” الذي يضع الطفل في حالة “البلوغ القسري”. سيعاني هذا الطفل من القلق المستمر ويشعر بالذنب إذا أراد اللعب أو كان ضعيفاً. وبدلا من ذلك، يدعو رضوان إلى إعطائه المسؤوليات التي تتناسب مع عمره فقط، لتعزيز احترامه لذاته دون إثقاله بعبء “العائل النفسي” للأم.

وتوافقها الأخصائية التربوية بشرى مروة، مؤكدة أن “الروتين هو العلاج”. وتقترح مروة تحويل اليوم إلى “نظام حماية” من خلال خطوات ملموسة تتمثل في:

​ساعة التواصل قبل النوم: دقائق تغلق فيها الشاشات وتفتح القلوب، ليعلم الطفل أن احتواء الأم هو الدعم الدائم.

​تجمع الغداء المقدس: حيث يتم تبادل الأخبار وتوزيع المهام، مما يعزز الشعور بالانتماء إلى مجموعة متماسكة رغم النقص.

أدوات المناعة النفسية

وتؤكد مروة في تحليلها على ضرورة بناء «المناعة النفسية»، وتوضح أن غياب الأب لا ينبغي أن يتحول إلى عذر دائم للسلوك السلبي. وتضيف: «تعليم الطفل كلمات الاحترام (شكراً من فضلك) يعيد له الشعور بالرقي النفسي والقوة الداخلية».

وتشير مروة إلى أهمية توجيه طاقة الطفل نحو المواهب أو الأنشطة الجماعية التي تمنحه الشعور بالإنجاز وتنقله من “الضحية” إلى “الفاعل”. فالطفل الذي يجد احترام الذات في المنزل لن يبحث عن «الانتماء الزائف» في الشارع أو خلف الشاشات.

تعطل شبكة الحماية

​تؤكد الدراسات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة إنقاذ الطفولة، أن غياب الأب في بيئات ما بعد النزاع مثل الحالة السورية لا يعتبر خسارة عاطفية فحسب، بل “خلل في شبكة الحماية”. وبحسب دراسة نشرت في مجلة علم نفس العنف، فإن “الأطفال الذين يكبرون في غياب “النموذج الذكوري الوقائي” يظهرون استجابة أسرع لضغوط الشارع، وتزداد فرص لجوئهم إلى العدوان كآلية دفاع بنسبة تتراوح بين 35 و45%”.

وفي استطلاع أجرته جامعة أكسفورد حول الأطفال المتأثرين بالحروب، تبين أن “نوعية العلاقة مع الأم” واتفاق الأسرة على النهج التربوي (الذي ركز عليه المختصان في حديثهما لعنب بلدي) هو المتغير الوحيد الذي يحول دون تحول الخسارة إلى “اضطراب ما بعد الصدمة”.

تشير هذه الأرقام إلى أن وجود “دعم عائلي ممتد” (الجد أو العم) يقلل من احتمالية إصابة الطفل بالاكتئاب السريري في مرحلة المراهقة بنسبة 50٪.

أما في سوريا، فتشير تقديرات تقرير “الاستجابة الإنسانية 2025” إلى أن أكثر من 60% من الأطفال السوريين في المناطق الأكثر تضرراً يعانون من “فقر الأمن النفسي” نتيجة غياب المعيل.

وتؤكد هذه الإحصائية أن الأذى السلوكي، كالعدوان الذي أشارت إليه الأخصائية النفسية رنا رضوان، ليس استثناءً، بل “عرض طبيعي” لواقع استثنائي يتطلب تدخلاً تربويًا مؤسسيًا لا يقتصر على الوعظ، بل يركز على تأهيل الأم اقتصاديًا ونفسيًا.

#كيف #يؤثر #غياب #الأب #على #سلوك #الأبناء

كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأبناء؟

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأبناء؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.