دستور نيوز
“أساس ميديا”
ومهما اختلف الكثيرون حول سياسات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واختياراته خلال سنوات حكمه، فإن الخلاف لا ينفي أن الرجل نجح في إحداث تحول جذري في مكانة قطر الإقليمية والدولية، مستفيدا من الثروة، وحسن استغلالها، ورؤية سياسية تقوم على خلق النفوذ، وليس انتظار موازين القوى.
وفي قراءة تجربته يمكن التوقف عند ثلاثة إنجازات كبرى ميزت عصره، وحادثتان تكشفان الكثير من سمات شخصيته القيادية وأسلوبه في اتخاذ القرار.
ثلاثة إنجازات
ثلاثة إنجازات تُسجل للأمير حمد بن خليفة، أو الأمير الوالد كما يلقبه القطريون. ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك أو يتجاهله، سواء كان الموقف من سياسات الأمير في كثير من مراحل حكمه سلبيا أم إيجابيا.
– أولاً: الصوت القطري إلى العالمي
سمع العالم صوت قطر عبر قناة الجزيرة الفضائية، التي استطاعت الوصول إلى كل الجغرافيا والتاريخ وصناعة المستقبل، لدرجة أن البعض ذهب إلى القول بأن قطر هي الجزيرة، وذهب آخرون إلى القول بأن الجزيرة لديها دولة اسمها قطر.
ولم تكن الجزيرة مجرد محطة تلفزيونية، بل تحولت إلى إحدى أهم أدوات القوة الناعمة القطرية، ونجحت في نقل اسم قطر إلى مختلف أنحاء العالم، لتجعل الدوحة حاضرة في المناقشات السياسية والإعلامية الدولية بشكل غير مسبوق لدولة صغيرة.
– ثانياً: خلق دور دولي
خلق دور دولي لدولة صغيرة جغرافيا، وهو دور خلق المبادرات وتعزيزها، والتوسط في حل الأزمات.
ومن لبنان إلى السودان، ومن أفغانستان إلى ملفات إقليمية ودولية أخرى، عملت الدوحة على ترسيخ نفسها كوسيط مقبول لدى الأطراف المتحاربة، مستفيدة من سياسة الانفتاح على الجميع، وهو ما منحها مكانة سياسية تفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي بكثير.
– ثالثاً: رعاية الإسلام السياسي
ورعايته للإسلام السياسي بمختلف حركاته وتنظيماته، من أفغانستان إلى الصومال، وما بينهما من عواصم ودول لا تعد ولا تحصى، كانت دائما تضع قطر على طاولة التسويات والمفاوضات.
وشكل هذا الخيار أحد الملفات الأكثر إثارة للجدل في السياسة القطرية، إذ اعتبره مؤيدوه استثمارا في شبكة واسعة من العلاقات مع القوى المؤثرة في المنطقة، بينما رأى منتقدوه أنه سببا لتوترات سياسية مع عدد من الدول العربية. لكن النتيجة ظلت على حالها، وهي أن قطر أصبحت رقما ثابتا في معظم ملفات المنطقة.
حادثتان توثقان شخصية حمد
الأمير حمد بن خليفة لم يكن شخصا عاديا على الإطلاق. ابتسامته المعهودة تخفي شخصية قاسية وقاسية لا تتردد في المواجهة أو الاعتراف. وكان يدرك أن النفوذ الكبير والثروة الكبيرة لدولة صغيرة جغرافيا تتطلب دائما المرونة والبراغماتية في اتخاذ القرار، مهما كان صعبا ومؤلما. ورأى أن الحفاظ على الدولة ومكانتها يتطلب في بعض الأحيان قرارات غير عادية، حتى لو بدت صادمة لحظة اتخاذها.
الحادثة الأولى: في الأسبوع الأول من يونيو 2013، أشارت التقارير الطبية إلى أن الحالة الصحية للأمير حمد غير مستقرة بسبب فشل كليتيه، وأن العملية الجراحية التي أجريت له كانت ناجحة، لكنها لن تؤدي إلى وضع صحي مستقر ومستدام. وهنا تدخلت زوجته الشيخة موزا، وأقنعته بنقل السلطة خلال حياته إلى نجله الرابع الأمير تميم، تفاديا لأي انقسام داخل الأسرة الحاكمة.
وكان مفاجئاً ظهور الشيخ حمد في خطاب مباشر للشعب القطري، أعلن فيه نقل السلطة إلى الأمير تميم، في خطوة نادرة بحسب الأنظمة الملكية العربية، حيث اعتادت تلك الأنظمة على انتقال السلطة بعد وفاة الحاكم أو بسبب عجزه التام عن القيام بمهامه، فيما اختار الأمير الوالد الإشراف شخصياً على عملية النقل، بما يضمن الاستقرار واستمرار النهج الذي رسمه للدولة.
الحادثة الثانية: خلال عام 2008، زار رئيس الوزراء اللبناني آنذاك فؤاد السنيورة الدوحة خلال شهر رمضان. استقبله الشيخ حمد. واشترطت العادات القطرية أن يكون الإفطار عند أذان المغرب خفيفا ويقتصر على الماء والتمر واللبن. ثم تقام صلاة العشاء والتراويح، يليها إفطار موسع. وهنا طلب الأمير حمد من وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم مرافقة السنيورة حتى موعد الإفطار الكبير، لكن حمد بن جاسم اعتذر، فنظر إليه الأمير بدهشة قائلا: “ما الذي يهمك؟ هل تريد أن تعدّد أبنيتك ومبانيك في الدوحة؟”. ثم خاطب الضيف اللبناني قائلا: «يملك نصف المباني في الدوحة». فأجاب حمد بن جاسم: “ليس بهذا الحجم”. فأجاب الأمير: «لا يقل عن ثلث الدوحة».
ولم يكن هذا الحوار مجرد مزحة سياسية، بل عكس طبيعة العلاقة بين الأمير وأقرب مساعديه، وأظهر معرفته الدقيقة بمراكز النفوذ والثروة داخل الدولة، وحرصه على مخاطبة المسؤولين بصراحة ومباشرة، حتى في المناسبات الاجتماعية.
إرث لا يزال يعيش
بعد سنوات من رحيله عن السلطة، لا يزال الإرث الذي تركه الأمير الوالد حمد بن خليفة حاضرا في السياسة القطرية. ولا تزال قناة الجزيرة إحدى أبرز المنصات الإعلامية العالمية، ولا يزال الدور الدبلوماسي الذي أسسته ركيزة من ركائز السياسة الخارجية القطرية، فيما تظل شبكة العلاقات التي بنتها عنصرا أساسيا لحضور الدوحة ضمن ملفات المنطقة.
“أساس ميديا”
#حمد #بن #خليفة #أمير #الصورة #والصوت #والدور
حمد بن خليفة: أمير الصورة والصوت والدور
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حمد بن خليفة: أمير الصورة والصوت والدور
المصدر : www.elsharkonline.com
