دستور نيوز
بقلم موفق حرب
“أساس ميديا”
المشهد الأهم في جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي لم يكن ما حدث في طهران، بل ما حدث خارجها. ولم تكن الجنازة التي مرت بالمدن العراقية، والحشود التي خرجت تشييعاً للرجل، مجرد وداع لزعيم ديني وسياسي، بل ربما كانت الرسالة الأولى التي تصل إلى القيادة الإيرانية الجديدة حول المكان الذي لا يزال مشروعها يتمتع فيه بالقدرة على التعبئة والتأثير.
ربما يكون من السابق لأوانه الحكم على شكل الجمهورية الإسلامية بعد خامنئي. ولكن من السابق لأوانه أيضاً أن نتصور أن إيران سوف تتخلى تلقائياً عن المشروع الذي حكم سياستها الخارجية منذ عام 1979. والسؤال الحقيقي ليس من سيخلف خامنئي، بل: هل تظل إيران دولة تسعى إلى تصدير ثورتها، أم أنها سوف تتحول إلى دولة تسعى في المقام الأول إلى تحقيق مصالحها الوطنية؟
الجواب على الأرجح لن يظهر أولاً في طهران، بل في بغداد.
من تصدير الثورة إلى مفترق الطرق
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم تنظر القيادة الإيرانية إلى حدودها على أنها نهاية نفوذها. تتحدث المادة 154 من الدستور الإيراني صراحة عن نصرة “المظلومين”، إلا أن هذه الفلسفة تحولت عمليا إلى مشروع سياسي وأمني يعرف بـ”تصدير الثورة”. ومن لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وغزة، قامت طهران ببناء شبكة نفوذها من خلال الأحزاب والميليشيات والعلاقات الأيديولوجية والسياسية أكثر من الجيوش التقليدية.
واليوم يقف هذا المشروع على مفترق طرق.
لقد أعادت السنوات الأخيرة رسم الخريطة الإقليمية. لم يعد نفوذ إيران في سوريا كما كان من قبل. «الحزب»، الذي كان على مدى عقود جوهرة تاج المشروع الإيراني، يواجه تحديات غير مسبوقة داخل لبنان وعلى حدوده الجنوبية. أما حماس فقد خرجت من الحرب منهكة. وبالتالي تجد القيادة الإيرانية الجديدة نفسها أمام سؤال استراتيجي: هل ستتجه نحو الداخل لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، أم أنها ستبحث عن ساحة جديدة تعوض فيها ما فقدته؟
لماذا العراق؟
وإذا اختارت الخيار الثاني فلن تجد ساحة أكثر جاذبية من العراق.
فالعراق يجمع كل العناصر التي تبحث عنها طهران. أغلبية شيعية مع إيران لها روابط دينية وتاريخية عميقة، وحدود طويلة ومفتوحة، وثروة نفطية هائلة، وموقع جغرافي يجعلها قلب المشرق العربي، ونفوذ سياسي وأمني بنته إيران على مدى أكثر من عقدين داخل مؤسسات الدولة وخارجها.
لكن بالنسبة لإيران، فإن العراق ليس دولة مجاورة فحسب، بل يمثل فرصة استراتيجية. ومن له نفوذ في بغداد فهو قادر على التأثير في الخليج وسوريا وشرق المتوسط وتوازنات المنطقة برمتها.
هل تقرأ طهران الحشود على أنها تفويض؟
ومن هنا، تكتسب مشاهد جنازة خامنئي أهمية تتجاوز بعدها العاطفي. غالباً ما تقرأ هذه الأنظمة الحشود على أنها استفتاء على استمرار مشروعها، حتى لو كانت دوافع المشاركين دينية أو اجتماعية أو حتى إنسانية أكثر منها سياسية. وفي كثير من الأحيان، لا تبني الأنظمة قراراتها على الواقع كما هو، بل على طريقة قراءتها لهذا الواقع.
وإذا اقتنعت القيادة الإيرانية الجديدة بأن العراق لا يزال أرضاً خصبة للنفوذ الإيراني، فقد ترى في ذلك التعويض الطبيعي عن أي تراجع في الساحات الأخرى، وخاصة لبنان.
وهنا يكمن التحول الأخطر.
وعلى مدى عقود، مثّل «الحزب» رأس حربة المشروع الإقليمي الإيراني، والذراع العسكري الأكثر تنظيماً، وأداة الردع الأساسية ضد إسرائيل، والنموذج الذي سعت طهران إلى استنساخه بدرجات متفاوتة في أكثر من دولة.
ولكن إذا أصبح لبنان أقل استدامة في هذا النموذج، فقد تصبح بغداد تدريجياً جوهرة التاج الجديدة. ليس بالضرورة من خلال إنشاء «حزب» عراقي على غرار الحزب اللبناني، بل من خلال جعل العراق مركز الثقل الأساسي للمشروع الإيراني خارج حدوده.
العراق.. اختبار الجمهورية الإسلامية الجديدة
ولذلك فإن مستقبل العراق لن يحدده مستقبل العراق وحده. بل سيحدد أيضاً طبيعة الجمهورية الإسلامية بعد خامنئي.
وإذا اختارت طهران الاستثمار في استقرار العراق، واحترام سيادته، وبناء العلاقات بين دولة ودولة، فسيكون ذلك مؤشراً على أن إيران بدأت تتحول من دولة ثورية إلى دولة طبيعية تحكمها حسابات المصالح.
أما إذا اندفعت نحو تعميق نفوذ الميليشيات، وتوسيع شبكاتها الأمنية والسياسية، وربط القرارات العراقية أكثر فأكثر بطهران، فسيكون ذلك دليلا على أن تغيير القيادة لم يغير العقيدة، وأن الثورة لا تزال ترى نفسها مشروعا عابرا للحدود.
صحيح أن العراق ليس لبنان. فالهوية الوطنية العراقية أكثر رسوخا، والمرجع الديني في النجف، بقيادة آية الله السيد علي السيستاني، يدافع باستمرار عن استقلالية القرار العراقي، وأظهر العديد من العراقيين، بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية، خلال السنوات الماضية رفضا واضحا لأي هيمنة خارجية، سواء كانت أميركية أو إيرانية.
لكن هذا لا ينفي أن العراق سيكون المختبر الأول للجمهورية الإسلامية الجديدة. إن الطريقة التي تتعامل بها طهران مع بغداد ستكشف أكثر من أي خطاب رسمي أو تعيين سياسي. عندها فقط سنعرف ما إذا كانت إيران قد دخلت مرحلة الدولة أم أنها لا تزال تعتبر نفسها ثورة تبحث عن ساحة جديدة.
بالتوفيق حرب
#بغداد #هي #الاختبار #الأول #للجمهورية #الإسلامية #الجديدة
بغداد هي الاختبار الأول للجمهورية الإسلامية الجديدة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بغداد هي الاختبار الأول للجمهورية الإسلامية الجديدة
المصدر : www.elsharkonline.com
