دستور نيوز
انطوان العويط
الاثنين 6 يوليو 2026 – 09:19
المصدر: صوت لبنان
السؤال في جنوب لبنان لم يعد متى ستتوقف الحرب، بل كيف ستنتهي دون عودة. ورغم أن لهيب المواجهة الأخيرة هدأ، إلا أن تداعياتها لم تنطفئ، ولم يفارق الدمار والقلق نفوس أهلها. ولا تزال القرى المدمرة تشهد معركة توقفت عسكريا إلى حد ما، لكنها لم تتوقف سياسيا أو إنسانيا، فيما يقف عشرات الآلاف من أهالي الجنوب بين انتظار إعادة الإعمار وترقب مصير جبهة تبدو معلقة بين هدنة هشة واحتمالات انفجار جديد.
في قلب هذا المشهد، يبرز اتفاق الإطار كخطوة تأسيسية أولية ترسم ملامح المرحلة المقبلة أكثر مما يمثل تسوية نهائية. فهو يفتح نافذة على مسار مختلف، لكنه وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار، لأن نجاحه يظل مرهونا بإرادات سياسية متضاربة وتوازنات إقليمية ودولية سريعة التغير.
وفي هذا السياق، كشفت المواجهة الأخيرة عن تحول عميق في ميزان القوى. وقد أكدت إسرائيل تفوقها الجوي والاستخباراتي والتكنولوجي، وتمكنت من توجيه ضربات شديدة إلى البنية العسكرية والقيادية لحزب الله، وإلى البيئة المدنية في الجنوب والمناطق الأخرى.
إلا أن النتيجة النهائية بدت مختلفة عن أهداف الطرفين. ولم تتمكن إسرائيل من إنهاء التهديد القائم على حدودها الشمالية، ولذلك أعادت ربط أي تسوية نهائية بمعالجة مسألة سلاح الحزب. وفي المقابل تلاشت مفاهيم الردع والحماية والتحرير. ولم يتمكن حزب الله من منع تكرار الكارثة التي تحل بالجنوب مع كل حرب، ولم يتمكن من تجنيب الشعب اللبناني التكاليف البشرية والاقتصادية والعمرانية الباهظة التي تتجدد مع تكرار المواجهات.
وهكذا سقط مرة أخرى الافتراض القائل بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيق الأمن. ما ظهر خلال السنوات الماضية لم يكن توازن الردع الذي منع اندلاع الحروب، بل توازن الاستنزاف الذي أبقى الصراع مفتوحا، وجعل المدنيين وقراهم واقتصادهم الخاسر الرئيسي باستمرار.
ولذلك لم يعد الجنوب مجرد ميدان عسكري، بل تحول إلى قضية وطنية وسيادية وإنسانية بامتياز. القرى المدمرة، والأراضي التي عاد إليها الاحتلال الإسرائيلي بتوسعه بدلا من إنهائه، والعائلات النازحة، والانهيار الذي أصاب الاقتصاد المحلي، كلها تؤكد أن الأزمة تجاوزت الحسابات العسكرية لتصبح قضية تتعلق بمستقبل الجنوب، وحتى بمستقبل لبنان.
ومن هنا، لم يعد من الممكن مجرد انتظار نتيجة المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. كما أن مجرد رفض أي مسار مقترح دون طرح خيار واقعي آخر متاح لا يؤدي إلا إلى إطالة عمر المأزق وتعميق تكلفته الوطنية.
في قلب هذا النقاش، تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية، كما مسؤولية البيئة السياسية الشيعية، واللبنانيين كافة، في الاقتراب من مرحلة تختلف جذرياً عما سبقها. ولا يدور الحديث حول الحقوق الوطنية أو رفض الاحتلال، وهي ثوابت ثابتة وغير قابلة للنقاش، بل يدور حول السبل الأكثر فعالية لحماية هذه الحقوق والحفاظ على الأرض والشعب والدولة معًا. المطلوب عدم التنازل عن أي حق لبناني، ولا القبول بالانتقاص من السيادة، بل فك الوضع الجنوبي من منطق الصراع المفتوح ومتطلبات المواجهة الإقليمية والمحاور الخارجية، وكذلك بناء قاعدة تصبح فيها الدولة المرجع الوحيد القادر على حماية الحقوق وترجمتها سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً، بما يحول دون بقاء الجنوب أسيراً لدوامة الحروب والدمار المستمرة.
لكن جزءاً من النقاش العام ما زال يركز على رفض اتفاق الإطار، مع التعويل على نتائج المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. لكن هذا الرهان، مهما كانت مبرراته، لا يجيب على المعضلة الأساسية. ومن يضمن هذا الاستنتاج، وماذا لو فشلت هذه المفاوضات؟ ومن ناحية أخرى، هل قبلت إسرائيل فعلاً باتفاق الإطار؟ فهل يمكن نتيجة لذلك التوصل إلى تسوية مستقرة، سواء بين الأميركيين والإيرانيين أو بين اللبنانيين والإسرائيليين، من دون التطرق إلى موضوع السلاح الذي هو العقدة في مقدمة الشروط الإسرائيلية، فيما أصبح حصره في الدولة مطلباً لبنانياً رسمياً وشعبياً واسعاً، قبل أن يصبح بنداً ثابتاً على أجندة المجتمعين العربي والدولي؟
إن تجاهل هذه الأسئلة لا ينفيها، بل يؤجل مواجهتها. أما الجنوب فلا يملك ترف الانتظار. فكل يوم يمر دون رؤية واضحة يعني مزيداً من التأخير في إعادة الإعمار، ومزيداً من القلق لدى السكان، وإرهاقاً إضافياً لبلد يعاني أصلاً من وطأة أزماته المالية والسياسية.
واليوم، لم يعد التحدي يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو تأمين الانسحاب الإسرائيلي، بل أصبح بناء مشروع وطني يعيد الجنوب إلى قلب الدولة، ويحوله من ساحة اشتباكات دائمة إلى منطقة استقرار وتنمية وحياة.
إن الدعوة إلى كلمة مشتركة لم تعد ترفاً سياسياً، بل هي حاجة وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل. إذا كانت الدولة قد أنشأت مخرجاً من منطق الجبهة المفتوحة نحو نهج الاستقرار، فمن الحق والواجب مناقشته والعمل على تحسينه، عندما يتحول إلى اتفاق تفصيلي للتنفيذ. لكن الاعتراض وحده، أو الاعتراض من أجل الاعتراض، أو السعي لانتزاع الملف التفاوضي من سلطته الدستورية وإسناده إلى طرف خارجي لا ينظر إليه إلا من منظور مصالحه ونفوذه، لم يعد خياراً يمكن أن يتحمله لبنان. لبنان أولاً، وهكذا ينبغي أن يكون.
وإذا كان هذا المسار مرفوضاً من البعض، فأين البديل الجدي القادر على حماية الجنوب وإعادة إعماره والحفاظ على سيادة الدولة واستقرارها؟ إن الدول لا تبنى من خلال إدامة الركود، بل من خلال تحديد خياراتها الوطنية. إن أخطر ما قد يواجهه لبنان ليس الخلاف على الحل، بل أن يتحول غيابه إلى وضع مألوف، ومن ثم إلى خيار مرغوب ومرغوب، يتم التعامل معه وكأنه الحل نفسه.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#كلمة #مشتركة.. #من #أجل #الجنوب #صوت #لبنان #صوت #لبنان
كلمة مشتركة… من أجل الجنوب – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – كلمة مشتركة… من أجل الجنوب – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
