دستور نيوز
بقلم عبادة اللادن
“أساس ميديا”
وقُتل ثمانية وخمسون جندياً فرنسياً في بيروت عام 1983، في انفجار مقر مشاة البحرية، بعد أشهر من اتفاق 17 أيار/مايو. ويصادف أنه بعد ثلاثة وأربعين عاماً، تنفجر عبوات ناسفة قرب مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق، بعد أسابيع قليلة من توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، وبعد أيام من زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان.
في قلب دمشق، تخوض إيران معركة من أجل بقائها المسلح في لبنان. وتشعر أن تطويق «الحزب» لن يكتمل إلا إذا تعاونت سورية مع القوى الدولية. أصبحت مؤشرات الرغبة الدولية في إلزام الملف اللبناني ببلاد الشام ملموسة، ليس أقلها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهذا الخصوص.
ودخلت إيران ساحة النفوذ اللبناني عام 1982 من باب العامود، وأعلنت وجودها في العام التالي بسلسلة تفجيرات، كان لأكبرها تأثير على مقر المارينز، حيث سقط 241 جندياً أميركياً إلى جانب الفرنسيين في صباح أحد الأيام.
وكانت الحكومة في لبنان قد وقعت اتفاق 17 أيار/مايو على أساس التفوق الميداني الإسرائيلي، فيما كانت القوات الأميركية والأوروبية تطوق بيروت من كل الجهات، إيذاناً بنقل موقع لبنان إلى الفضاء الأميركي. وجاء السوريون ليفتحوا الطريق أمام التفجيرات الانتحارية التي دبرتها إيران والتي طردت مشاة البحرية من لبنان، وتشكيل «جبهة الإنقاذ الوطني»، وانتفاضة 6 فبراير 1984 التي تم إسقاطها عملياً قبل أن يتم إلغاؤها رسمياً في مارس. وبعدها انسحبت أميركا من الساحة، وأعيد الملف اللبناني برمته إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وأكملت إيران بناء ذراعها تحت أنفه وأمام عينيه.
سلسلة الأسلحة الإيرانية
ومنذ ذلك الحين، خاضت إيران معارك عديدة للحفاظ على سلسلة الأسلحة من طهران إلى بيروت. وعندما صدر القرار الدولي 1559 بإخراج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح «الحزب»، بدأت سلسلة القتل والتفجيرات في لبنان. وعندما لم تعد السيارات المفخخة كافية، استخدم التحالف شاحنة محملة بـ 1800 كيلوغرام من المتفجرات لقتل رفيق الحريري. بعد ذلك، قاتل «الحزب» مع كافة الفصائل الإيرانية لإجهاض الثورة السورية، وبرر تورطه في القتل والمجازر هناك بالقول إنه يقاتل لحماية السلسلة الممتدة إلى إيران.
التفجيرات المتتالية في دمشق تحمل رسالة مفادها أن ما حدث في بيروت 2005 يمكن أن يتكرر في دمشق 2026 إذا وجد أن سلاح «الحزب» مهدد، وكأنه يقول إن موسم التفجيرات لم يبدأ بعد، لكنه يمكن أن يبدأ إذا دعت الحاجة. كان التفجير الذي وقع قرب مقر إقامة ماكرون هو الرسالة الأوضح في اتجاهات عديدة: رسالة إلى دمشق بألا يغرها الانتداب الدولي بالتدخل عسكرياً أو سياسياً في لبنان، ورسالة إلى الدول الغربية بأنها قادرة على تفخيخ طريق الشام كما فخّخت مضيق هرمز، ورسالة إلى اللبنانيين بأن وجود السلاح غير قابل للتفاوض.
زيارة ماكرون إلى دمشق مناسبة جيدة لإرسال الرسائل. وهو أول رئيس دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن يصل إلى دمشق في عهد أحمد الشرع. وبهذا الحضور تستعيد دمشق مكانتها كبلد زائر، بعد أشهر قليلة من استعادتها مكانتها كبلد زائر. وجاء مع وفد من رجال الأعمال الذين كانت القيادة الإيرانية تنتظرهم لزيارة إيران. ووضعت حزمة من العقود ومذكرات التفاهم المعلنة مع إيرباص و”CMA-CGM«توتال» رسالة فرنسية مفادها أن سوريا الوجهة الاستثمارية الجديدة للأوروبيين في شرق المتوسط دمشق ترسيخ وجودها في لبنان.
وتقول إيران بطريقتها إنها قادرة على نسف هذا الدور إذا شعرت أنه يهدد نفوذها وسلاحها في لبنان. صحيح أن الشرع أعلن صراحة أنه لن يتدخل عسكرياً ضد «الحزب» خلافاً لطلب دونالد ترامب، لكن جولة أسعد الشيباني على الرئاسات والقيادات المسيحية وزيارته إلى طرابلس أعطت الانطباع بأن دمشق ترسخ حضورها السياسي في لبنان بقوة ناعمة، وهذا ليس خبراً يمكن أن يقبله «الحزب»، حتى لو كان مغلفاً بالحديث المفتوح تجاهه. ومن لا يحتمل الوجود السياسي لرفيق الحريري، لن يحتمل وجود نفوذ دبلوماسي سوري محترف كالوزير الشيباني في منصب آخر.
إيران تقترب من اللحظة من موقف من يعتقد أنها انتصرت في الحرب مع أميركا بالنقاط. وتعتقد أنها أجرت «التجربة النووية الاحتياطية» عندما أغلقت مضيق هرمز، وأثبتت قدرتها على تفعيل هذا السلاح متى أرادت. لقد عادت إلى ضرب السفن التي تمر عبر المياه الإقليمية العمانية، بما في ذلك ناقلة مملوكة لقطر، الدولة التي تلعب دورًا رئيسيًا في تسهيل المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
ومن هذا الموقف تنظر طهران إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل على أنه وثيقة لا تعكس توازنات ما بعد الحرب. وفي الصورة الأكبر، نجحت في فصل مصالح ترامب عن أجندة بنيامين نتنياهو، وأبرمت تفاهماً مع واشنطن مالت لصالحها، في حين ترى أن السجال السياسي في بيروت يقتصر على السؤال عن مستقبل سلاح «حزب الله»، بكل ما يمثله من ذراع عسكرية إيرانية خالصة، والتي أثبتت فعاليتها في الدفاع عن الأمن القومي الإيراني خلال الحرب الأخيرة.
خريطة معقدة
ويبقى أن الخريطة السياسية اللبنانية أكثر تعقيداً هذه المرة. رئيس مجلس النواب نبيه بري يضع التاريخ كله على طاولة القرار، وينظر إلى مستقبل شيعة لبنان في محيطهم المباشر، والزعيم وليد جنبلاط يسير على حبل مشدود: منتقد الاتفاق مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه يرفض الدخول في جبهة قد تسقطه. أما السنة، فهم يعيشون ارتباكهم الاستراتيجي الأكبر. ويتذكرون كيف استدرجهم حافظ الأسد عام 1984 للمشاركة في انقلاب 6 شباط/فبراير عبر حركة “المرابطون”. وحققوا النصاب الإسلامي في العملية، ثم قاموا بتصفية وجودهم العسكري في العام التالي، وتم القضاء على زعماء السنة السياسيين والدينيين بالاغتيال والنفي. هل يلسعون من نفس الجحر مرتين؟!
عبادة الله
#مفخخة #طريق #الشام #معركة #بقاء #السلاح
مفخخة طريق الشام: معركة بقاء «السلاح»؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – مفخخة طريق الشام: معركة بقاء «السلاح»؟
المصدر : www.elsharkonline.com
