دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
وفي العراق، أدت التحقيقات المتعلقة بالقضية المنسوبة إلى وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، إلى توسيع نطاق الملاحقات القضائية، وفتح ملفات طالت عددا من المسؤولين، واتخاذ إجراءات رفع الحصانة عن بعض النواب، في خطوة اعتبرها كثيرون من أوسع إجراءات مكافحة الفساد منذ عام 2003.
في المقابل، لا يزال التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة المئات وجرح الآلاف، يواجه عقبات قانونية وسياسية متكررة، في حين لا تزال مسألة الحصانات النيابية والوزارية تشكل إحدى أبرز العقبات أمام استكمال مسار العدالة. الفرق هنا ليس وجود الفساد أو غيابه، بل مدى قدرة القضاء على اختراق جدار الحصانات وتحويل مبدأ المساءلة إلى ممارسة فعلية.
ومن ناحية أخرى، فإن توسع التحقيقات في العراق يثير جدلا سياسيا وقانونيا حول طبيعة هذه الحملة. وبينما يرى فريق أنه يعكس إرادة وطنية حقيقية لاستعادة هيبة الدولة، يرى آخرون أنها قد تتأثر أيضا باعتبارات سياسية داخلية وخارجية، مما يجعل الحفاظ على استقلال القضاء وحياده شرطا أساسيا لنجاح أي مشروع إصلاحي، لأن العدالة التي ينظر إليها على أنها انتقائية تفقد الكثير من تأثيرها الرادع.
وليس بعيداً عن ذلك، شهد لبنان بدوره محاولات تعديل بعض النصوص القانونية التي استخدمت لعرقلة التحقيقات القضائية، خاصة في القضايا الكبرى، لكن معظم هذه المبادرات ظلت عالقة في اللجان النيابية، ما يعكس مدى التعقيدات السياسية التي لا تزال تحول دون تطوير النظام القانوني بما يضمن سرعة وفعالية العدالة.
ومن ناحية أخرى، ترتبط مكافحة الفساد ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار المالي والمصرفي. وفي العراق، توسعت التحقيقات لتشمل شبكات غسيل الأموال والتهريب، وما يرتبط بذلك من تحويل الأموال غير المشروعة إلى استثمارات تبدو قانونية في ظاهرها. أما لبنان، فقد بدأ منذ سنوات بإقرار مجموعة من الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالسرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، استجابة لمتطلبات الإصلاح المالي والمعايير الدولية. لكن تنفيذ هذه الإصلاحات لا يزال بطيئا بشكل واضح، في ظل استمرار الخلافات حول توزيع الخسائر وآليات إعادة هيكلة القطاع المالي.
وهنا يكمن الفرق بين التجربتين. وانتقل العراق، ولو جزئياً، إلى مرحلة الملاحقة الجنائية واسترداد الأموال ومصادرة الأصول المرتبطة بجرائم الفساد، فيما لا يزال لبنان يتحرك، في معظم الملفات، ضمن الإطار التشريعي والمناقشات السياسية، دون أن ينعكس ذلك حتى الآن في محاسبة واسعة النطاق أو استرداد فعلي للأموال المنهوبة.
إن استقلال القضاء، رغم أهميته، لا يكفي وحده إذا ظلت المؤسسات الرقابية والإدارية والبرلمانية غير قادرة على القيام بدورها الرقابي. إن مكافحة الفساد عملية متكاملة تتطلب تعاون كافة السلطات، وإرادة سياسية حقيقية تترجم إلى تشريعات فعالة ومؤسسات قادرة على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو تمييز.
وتؤكد التجارب الدولية أن مكافحة الفساد لا تقاس فقط بعدد الموقوفين أو حجم الأموال التي تم الاستيلاء عليها، بل بقدرة الدولة على بناء نظام قانوني وإداري يمنع تكرار الجريمة ويسد الثغرات التي يستغلها الفاسدون. إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق من خلال الحملات المؤقتة، بل من خلال الإرادة السياسية الحازمة، والقضاء المستقل، والمؤسسات الرقابية الفعالة، والإدارة العامة القائمة على الكفاءة والشفافية والمساءلة.
ومن هذا المنطلق تبدو التجربة العراقية، رغم كل التحديات والتساؤلات المحيطة بها، بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة المساءلة. أما لبنان، فهو لا يزال يواجه معضلة الانتقال من سن القوانين وإطلاق الوعود الإصلاحية إلى تنفيذها على أرض الواقع، وهو ما يفسر استمرار تعثر القضايا الأساسية، سواء في الإصلاح المالي والمصرفي، أو في متابعة قضايا الفساد الكبرى، أو في استكمال التحقيقات التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات.
ولا يختلف أحد على أن الإصلاح ليس مطلباً دولياً فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة واستعادة ثقة المواطنين. فالدولة غير القادرة على محاسبة الفاسدين تفقد تدريجياً قدرتها على تطبيق القانون، وتضعف ثقة المجتمع بمؤسساتها، وتقلل فرص جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة.
ولذلك فإن العراق اليوم يقف أمام فرصة مهمة لترسيخ ما بدأه وتحويل حملة مكافحة الفساد إلى مشروع وطني متكامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس النزاهة والشفافية وسيادة القانون. ويبقى السؤال الذي يفرضه المشهد العراقي على اللبنانيين: هل تمتلك الدولة اللبنانية الإرادة السياسية والقضائية للانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة المساءلة الفعلية؟
وبينما شهد العراق ملاحقات وإجراءات قانونية تستهدف مسؤولين، وتم اتخاذ خطوات لرفع الحصانة عن عدد من النواب، لا يزال لبنان يواجه صعوبة في تحقيق الإصلاحات التشريعية والقضائية الأساسية، وفي إزالة العوائق التي تحول دون الوصول إلى المساءلة الشاملة في عدد من الملفات الرئيسية.
ولعل الفارق الجوهري بين التجربتين لا يكمن في حجم الفساد، إذ أن هذه الآفة موجودة بدرجات متفاوتة في كثير من الدول، بل في قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سياسية وقانونية تجعل من سيادة القانون واقعا عمليا وليس مجرد شعار، ويؤكد أنه لا أحد مهما علا منصبه أو نفوذه، يقف فوق سلطة العدالة.
وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة تتحول مكافحة الفساد من رد الفعل المؤقت إلى ثقافة مؤسسية راسخة، ويصبح القانون المرجع الأعلى للجميع. تستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن الثقة بها، وينفتح الطريق أمام نهضة اقتصادية وإدارية حقيقية، تقوم على النزاهة والشفافية والمساءلة والعدالة.
د. ابراهيم العرب
#هل #تتمتع #بيروت #بشجاعة #بغداد #في #محاربة #الفساد
هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -2
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -2
المصدر : www.elsharkonline.com
