دستور نيوز
بقلم فوزي عساكر
رئيس تحرير مجلة العالمية
في رحلة صيد، حل صياد ضيفاً على أحد أقارب والدته، يشرب القهوة ويستمتع بثمار المزرعة. لقد أعجب بابنتهما وأراد اصطيادها قبل صيد الطيور.
قدمت الابنة القهوة والفاكهة للضيف، وجلست بخجل بجانب والدتها. وبعد تناول القهوة تقدم الصياد إلى الأم للزواج من ابنتها، وأضاف: “نحن أقارب والدتي، ولا أعتقد أنك تعارض زواجي من ابنتك”. فقالت له الأم: “القرار لابنتي وليس لي”. سألت ابنتها فأجابت: “نحن نحترم والدتك وعائلتها. إنها قريبة منا. نحن نقدر طلبك ونحترمك، ولكن هذا لا يعني أنني مقتنعة بالزواج. دعوتي هي أن أكون راهبة”.
فغضب الصياد وغادر ذلك المنزل، وبدأ بالتشهير بالفتاة، ويطلق عليها أسماء مسيئة، ويتهمها بالكذب، ويتهم والدتها بعدم السعي لتزويج ابنتها له، رغم صلة القرابة بين العائلتين. ولم يفهم هذا الصياد أنها رفضت عرضه باحترام، وأن من حقها أن تختار سلوك حياتها بنفسها، دون أن تكون خائنة أو معادية لأحد.
وهكذا حدث خلاف بين العائلتين. وبدأت عائلة الصياد باتهام عائلة الصبي بالخيانة والاتهامات الباطلة، واتهمت الفتاة بإقامة علاقات مشبوهة مع أولاد الشوارع، حتى وصلت سمعتها السيئة إلى قلوب الأطفال والرضع، لتتجذر الكراهية من جيل إلى جيل، وسكب الصياد عليها دمائها بمجرد رفضها الزواج منه.
لذلك أخي في الوطن كن أخاً لي في المواطنة، فأنت تطلب مني أن أكون إلى جانبك في ميدان الحرب، وأنا أبحث عن صيغة تفاهم تعفينا من ويلات الحرب كافة. قد لا تكون صيغتي مثالية، لكنها أفضل من الحرب والموت في الميدان. لقد أثبت الميدان عدم تكافؤ القوة بيننا وبين أعدائنا. قتلوا أحبابنا وهدموا بيوتنا واحتلوا قرانا ومدننا. إنهم يصطادون خيرة شبابنا، ولم نتمكن من ردعهم بكل ما كان لدينا من أسلحة والرجال والعقيدة. هل يشترط أن نكون جميعاً في الميدان لنموت معاً رافضين التفاوض مع العدو أم ستعتبرني يا أخي خائناً وعميلاً؟ أنا لست خائنا.. ولا أنفذ أوامر العدو. بل أنت الذي كنت تخرج من بيتك وأرضك في دقائقك، حين كان المتحدث باسم جيش العدو يأمرك بالإخلاء من أجل تدمير بيتك وإنقاذ حياتك في لحظة واحدة! ألم يكن إخلاءكم الفوري تنفيذاً -ولو قسرياً- لأوامر العدو؟!
أنا لست خائنا ولا عميلا. استقبلتكم في بيتي، وشاركت معكم في دفن شهدائكم، واتضح أننا غارقون في حرب أيديولوجية أبدية، قد تؤدي إلى احتلال العدو لوطننا بالكامل، وحرق أراضينا، وهدم مدننا وقرانا، ومحو تاريخنا… فلماذا أنا خائن وأنتم على حق؟ بعد كل التجارب التي دمرت وطننا المشترك، ألا نستطيع معاً أن نغير قواعد اللعبة؟!
أنا لست خائناً ولا عميلاً.. ولا أقابل العدو وجهاً لوجه إلا من أجل إنقاذ ما تبقى من أرض لم تكن وطناً إلا مؤخراً!
أنا لست خائناً… أرجوك افهمني… أنا لا أريد لك الموت، بل أريد لك الحياة. وإذا رفضت تلك الفتاة الزواج من الصياد، فهذا لا يعني أنها عاهرة، بل أن لها رأياً آخر!
يا أخي في الوطن… يا أخي الذي تقاسمت معه بيتي وطعامي وشرابي في محنتك، هل تتهمني بخيانتك إذا لم أقبل الحرب الحمقاء والموت الحر؟!
بالله عليكم لا تحسدوني… أمد يدي إليكم، لكن ليس لكم رأي إلا الميدان، والميدان أثبت أننا في حرب انتحارية. اقترب مني يا أخي ولننقذ ما بقي من وطننا. الفتاة التي رفضت الزواج من الصياد ليست عاهرة ولا خائنة ولا عميلة، ولكن لها رأي آخر!
فوزي عساكر
#أنا #لست #خائنا
أنا لست خائنا
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – أنا لست خائنا
المصدر : www.elsharkonline.com
