.

اراء و اقلام الدستور – “صلاة الفجر” في بغداد تستيقظ بيروت؟

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – “صلاة الفجر” في بغداد تستيقظ بيروت؟


دستور نيوز

بقلم محمد قواس

“أساس ميديا”

يفتح العراق معركة طال انتظارها ضد الشبكات المالية. ما حدث في المنطقة الخضراء وغيرها ليس تفصيلاً قضائياً عابراً، بل هو زلزال سياسي نفذته الدبابات ضرب قلب النظام الذي تشكل بعد 2003، ويعلن أن المساءلة بدأت تقرع أبواباً ظلت مغلقة لفترة طويلة. وفي قلب ذلك «الانقلاب» يكمن الصراع مع إيران، في حدث يضرب أحد أركان ممرها الشهير من طهران إلى بيروت.

على السطح، هناك حملة اعتقالات في ملفات الأموال المخفية. فهو في جوهره اختبار لهيبة الدولة وقدرتها على الانتقال من خطاب الإصلاح إلى العمل. وعندما تستخدم أجهزة الدولة الثقيلة ضد شخصيات سياسية وبرلمانية على مستويات متعددة، فإن الرسالة تتجاوز الملف القانوني لتقول إنه لم تعد هناك أي حصانة، حتى لو كانت جزئية ومحدودة في البداية.

تراجع قوة إيران في العراق

يثير توقيت الحملة أسئلة أكثر مما يجيب. بغداد لا تتحرك في لحظة داخلية بحتة، بل في أعقاب إعادة اصطفاف إقليمي، وتجدد الضغوط الأميركية، وتراجع واضح في قدرة بعض القوى على حماية شبكاتها القديمة. وبدا أنه أحد الآثار الجانبية لتراجع قوة إيران بشكل عام ونفوذها في العراق بشكل خاص. وبدا أيضاً وكأن الحكومة العراقية تستغل نافذة سياسية نادرة، قبل أن تغلق عليها إمكانيات التوازن نفسها التي عطلت كل محاولات الإصلاح السابقة.

الحملة، رغم جرأتها، لم تصل إلى نهايتها المثالية وقد لا تذهب أبدا. وحتى الآن، يبدو أنها ضربت الحلقة الوسطى من النظام النقدي، وليس رأسه الفعلي. وهذا يعطيها معنى مزدوجا. فهي من ناحية خطوة جريئة وغير مسبوقة، ومن ناحية أخرى هي اختبار مبكر لمدى استعداد السلطة لمواجهة الحيتان وليس صغارها فقط. وإذا توقف الأمر عند هذا الحد فإنه سيتحول إلى رسالة مؤقتة تضع حدوداً محسوبة بدلاً من أن تكون بداية قطيعة حقيقية مع نظام الإفلات من العقاب.

واللافت أيضاً أن الأهداف تنتمي إلى أكثر من بيئة سياسية وطائفية. هذه ليست تفاصيل رسمية. ولم تعد شبكات المال شأنا جانبيا مرتبطا بكتلة معينة، بل أصبحت سلوكيات عابرة للانتماءات، أنشئت تحت مظلة المحاصصة، وازدهرت بفضلها منذ سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003. وحتى رئيس الوزراء علي الزيدي، في قراءته «الجدلية» وتهديده بـ «صعد الرؤساء» ووعده بالذهاب بعيدا ضد شبكات المال، لا يملك ترف تصفية الحسابات السياسية، خاصة وأنه وعد بعدم الترشح لفترة رئاسية ثانية. مرة أخرى، أو تأسيس حزب سياسي، بينما الولايات المتحدة وعواصم العالم تراقب باهتمام انقلاباً «من الأعلى» تنفذه بغداد على نفسها.

مرارة التجارب السابقة والتدخل الأمريكي

المتشككون لديهم الحق في الشك. لقد شهد العراقيون بالفعل العديد من الحملات التي تبدأ بصوت عالٍ وتنتهي في الظل. ومن حق المذهول أن يتساءل: هل نحن أمام بداية المساءلة أم أمام عرض سياسي محسوب؟ وهذا الشك مشروع، لأن التجربة العراقية علمت الناس أن شبكات المال لا تعيش في المال العام فقط، بل في آليات الحماية نفسها، وبالتواطؤ بين النفوذ السياسي والغطاء الأمني ​​والقضائي.

ووجد مراقبون منطقا في توقيت «صلاة الفجر» مرتبط بزيارة الزيدي إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وسبق للأخير أن أشاد برئيس وزراء العراق الجديد بعد تدخل ترامب شخصيا وعلنيا لرفض ترشيح نوري المالكي للمنصب. وقيل أيضاً إن «قلق» المبعوث الرئاسي الأميركي توم باراك كان يدور في ذهنه ما نفذته بغداد فجر الـ28 من الشهر الماضي. صحيح أن الدوافع الداخلية أصبحت ملحة لـ«تطهير» نظام تفاقم فساده، لكن الضغوط الخارجية والدعم بالخبرة والمعلومات كانت حاسمة في اتخاذ القرار.

ويعول الزيدي على إقناع واشنطن بأن بغداد شريك موثوق في القضايا الحساسة، وأنها مستعدة للذهاب إلى أبعد من سابقاتها في حصر السلاح في يد الدولة، مع ما سيكون لذلك من تداعيات تصم الآذان في لبنان. والرسالة موجهة أيضاً إلى داخل العراق (وكذلك لبنان)، بأن الزمن تغير وميزان القوى لم يعد كما كان.

صدام على شكل الدولة

وينطوي هذا النهج على مفارقة خطيرة. وإذا كانت بغداد تتحرك انطلاقاً من حاجة داخلية لاستعادة الدولة، وبدعم خارجي من واشنطن، فهي في الوقت نفسه تفتح مواجهة مع شبكات عميقة الجذور تمتد داخل المؤسسات وخارجها. وعلى الأرجح أن هذه الشبكات لن تظل صامتة. وسترد عبر الإعلام والبرلمان والشارع، وربما بأدوات أخطر. وكلما اتسعت الحملة وارتفع مستوى استهدافها، زاد احتمال تحولها من معركة على الشبكات المالية إلى صراع حول شكل الدولة نفسها.

لكن ما حدث في العراق ليس شأناً محلياً بحتاً سيقتصر على الحدود. فالبلاد هي عقدة التمويل والنفوذ في نظام أوسع مرتبط بإيران ووكلائها. إذا نجحت حكومة بغداد في كسر بعض قنوات المال وشبكات التهريب، فلن يقتصر الأمر على ضرب المتهمين الأفراد، بل سيؤثر أيضًا على مصادر القوة المالية والسياسية التي تراكمت على مر السنين. وهنا تبدو الحملة، مهما قيلت محلية، وكأنها جزء من صراع أكبر لإعادة توزيع النفوذ في بلاد الشام. وبهذا المعنى لا تبدو بيروت بعيدة عن المشهد.

تحذير لبيروت

الحديث عن تشابه بين ملفي العراق ولبنان ليس مجرد مقارنة بناءة. لقد عرف كلا البلدين كيف تمتزج السياسة بالمال والولاء والحماية. لكن الفارق هو أن بغداد، رغم هشاشتها، تتمتع اليوم بهامش حركة قد لا يتوفر في بيروت، حيث تتقاطع الشبكات المالية بقوة السلاح وبتوازنات أكثر جموداً. ولذلك فإن ما يحدث في العراق قد لا يتكرر في لبنان، لكنه سيُقرأ في بيروت كتحذير سياسي لا يمكن تجاهله. ورغم أن موضوع الصراع بين «المقاومة» والدولة في لبنان واشتباك السلاح عبر المفاوضات المباشرة سيكون جزءاً من أداة العمل للدفاع عن السلاح والشبكات الخفية التي تستفيد منه، إلا أن بغداد وضعت حجر الأساس لمسار سيزحف حتماً من داخل «الممر الشهير» نحو بيروت.

إن ما يحدث في بغداد هو أكثر من مجرد حملة على الشبكات المالية. وهو إعلان أن الدولة قررت مواجهة نفسها. وهو تغيير قد يؤثر على المشهد الحاكم منذ 23 عاما. وهي بداية قد تشبه البدايات الحديثة لاستعادة الدولة مكانتها في لبنان. وإذا كانت بيروت تراقب الأوضاع في بغداد هذه الأيام، فإن العالم سوف يفكر في قدرة العراقيين على ضرب النواة الحقيقية الصلبة للشبكات المالية، ربما داخل الدولة العميقة نفسها. وإذا لم يتم العثور على تلك النواة، فإن «صلاة الفجر» العراقية لن تكون أكثر من ضربة قوية في معركة طويلة.

محمد قواس

#صلاة #الفجر #في #بغداد #تستيقظ #بيروت

“صلاة الفجر” في بغداد تستيقظ بيروت؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – “صلاة الفجر” في بغداد تستيقظ بيروت؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.