.

اراء و اقلام الدستور – لبنان… ضائع في صراع المحاور

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – لبنان… ضائع في صراع المحاور


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

لم يعرف لبنان قط أزمة أخطر من عادة بعض قواه السياسية البحث عن حلول خارج حدوده.

ومع اشتداد الأزمات، تحولت الأنظار إلى العواصم الإقليمية والدولية بدلاً من مؤسسات الدولة، حتى أصبح الاعتماد على الخارج جزءاً من الحياة السياسية اللبنانية.

في هذا السياق، لم تكن أزمة لبنان أبداً في الكيان ولا في فكرة الدولة نفسها، بل في القوى السياسية التي تناوبت عبر مختلف المراحل التاريخية في جعل قراراتها مرهونة بالخارج.

ومع كل خلل في موازين القوى الإقليمية، لجأ فريق داخلي إلى طلب الدعم من هذه القوة الإقليمية، واضعاً مصالحه الفئوية والطائفية فوق المصلحة الوطنية، مما جعل السيادة اللبنانية رهينة صراعات المنطقة وحساباتها الداخلية.

وهذا الواقع لا يعود إلى ضعف الدولة وحدها، بل أيضاً إلى طبيعة النظام السياسي وتفاعلاته، وإلى ثقافة سياسية رسخت لدى بعض القوى قناعة بأن النفوذ الخارجي هو الطريق الأسرع لتحقيق المكاسب الداخلية.

وهكذا أصبح اللجوء إلى الخارج سلوكاً متكرراً كلما تصاعدت الخلافات، على حساب الدولة ومؤسساتها.

وقد اعتادت هذه القوى البحث عن «منقذ» يأتي من وراء الحدود، سواء بدافع سياسي أو طائفي، خاصة عندما يظهر في المنطقة زعيم أو نظام يتفق معها في التوجهات أو المصالح.

لكن المسؤولية لا تقع على عاتق العالم الخارجي وحده، بل تتحمل الدولة اللبنانية نصيبا كبيرا منها.

وهي تسمح منذ سنوات لهذه المجموعة أو تلك بإقامة علاقات مع دول أخرى خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، في ظل غياب المساءلة والمحاسبة.

ومع ضعفه المزمن وتراخي مؤسساته في تطبيق القانون، اتسعت مساحة التدخل الخارجي في الشأن اللبناني، حتى أصبحت الدولة غير قادرة على الحفاظ على سيادتها وفرض سلطتها وتعزيز هيبتها.

المشاهد نفسها تتكرر في لبنان مع كل زيارة يقوم بها مسؤولو هذه المحاور الإقليمية، حيث ترفع الصور وتعلق اللافتات وتتجمع الحشود وسط هتافات توحي بأن البلد لا يستقبل ضيفاً فحسب، بل ينتظر المنقذ الذي طال انتظاره.

إن الحفاظ على كرامة الوطن يبدأ من بابه الأول، وحرية لبنان تقتضي أن تعبر جدرانه وشوارعه عن الهوية اللبنانية الخالصة لا غير.

وهذا المشهد لا علاقة له بالضيف أو الدولة التي يمثلها، بل بكيفية تعامل بعض القوى السياسية وبيئتها الحاضنة مع الزيارة، وهو سلوك يضعف الثقة بالدولة اللبنانية وقدرتها على إدارة شؤونها والحفاظ على سيادتها.

وهذا النهج ليس جديدا في الوقت الراهن، بل يعود إلى ما قبل الاستقلال. ورغم حصول لبنان على استقلاله عام 1943، إلا أن القوى السياسية لم تتمكن من ترسيخ مفهوم الدولة في وعيها، وظلت السلطات الخارجية لها الأسبقية على السيادة الوطنية.

مع العقود المتعاقبة، تغيرت الأسماء والأحزاب، لكن المنطق بقي على حاله: من المد الناصري، إلى النفوذ الفلسطيني، ثم الاحتلال الإسرائيلي، ثم الوصاية السورية، وصولاً إلى النفوذ الإيراني.

وفي كل مرحلة كان هناك فريق لبناني ربط مستقبله بقوة خارجية أكثر من ارتباطه بوطنه.

ولعل ما حدث بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 كان مثالاً واضحاً على هذا الواقع.

استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحفاوة استثنائية، فيما كان اللبنانيون لا يزالون يعانون من صدمة الكارثة.

وهذا يعكس مدى اليأس الذي وصل إليه الشعب اللبناني، لدرجة أنه بدا للكثيرين أن الخلاص قد يأتي بمبادرة خارجية وليس بإرادته الوطنية.

لكن التجارب أثبتت أن الدول تتصرف وفق مصالحها، وليس وفق اعتبارات عاطفية أو إنسانية.

لكل دولة أولوياتها وحساباتها، لكن لبنان كان في كثير من الأحيان، بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية، ورقة في صراعات أوسع، أو بنداً على طاولة المفاوضات يتجاوز مصالح شعبه.

ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل امتداداً لمسار قديم تتغير فيه الأسماء والرايات، فيما يبقى الوهم نفسه: انتظار الخلاص من الخارج بدلاً من خلقه من الداخل.

وفي هذا السياق، يبرز المشهد الذي رافق زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس كمثال يستحق التأمل.

إن ما حدث لا يعكس مجرد الاستقبال الحار، بل يكشف عن أزمة أعمق في الثقافة السياسية، وخلل في فهم العلاقة بين الدولة ومسؤولي الدول الأخرى.

هناك فرق كبير بين استقبال مسؤول أجنبي بما يليق به وبالبلد الذي يمثله وفق الأعراف الدبلوماسية، وبين تحويل زيارته إلى مشهد يوحي بالولاء الذي يتجاوز حدود الصواب السياسي، بما ينتقص من هيبة الدولة ويضعها في منزلة أدنى من منزلة الضيف.

وهنا لا نعترض على زيارة الوزير أسعد الشيباني، بل على العكس فهو ضيف عزيز ومرحب به جداً في لبنان، وله كل الاحترام والتقدير.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ثقافة المبالغة والتبجيل المفرط لهذا الضيف الأجنبي أو غيره، وهو سلوك يسيء إلى كرامة الدولة ومفهوم المواطنة الحقيقية.

وهنا يطرح سؤال بسيط في صياغته، وعميق في دلالاته:

هل تحظى أي شخصية سياسية لبنانية، من الوزير إلى رئيس الجمهورية، باستقبال شعبي يشمل إغلاق الشوارع ورفع اللافتات وحمل المسؤول على أكتاف أي دولة عربية أو أجنبية؟

بالطبع لا، فالدول ذات السيادة عادة ما تستقبل ضيوفها وفق الإجراءات الدبلوماسية والبروتوكول.

وأتذكر هنا مقولة للإمام علي بن أبي طالب:

أحب حبيبك بشيء من التسامح، فقد يكون هو الذي يكرهك يومًا ما، وكره من يكرهك بشيء من التسامح، فقد يكون حبيبك يومًا ما.

لكن الحياة السياسية في لبنان تأرجحت في كثير من الأحيان بين التقديس المطلق والعداء المطلق، فيما ظلت المصلحة الوطنية غائبة، وبقيت الدولة الحلقة الأضعف.

إن الدول لا تبنى بالعواطف أو الولاءات العابرة للحدود، بل بمؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وجيش واحد، وقيادة سياسية تؤمن بأن السيادة لا تتجزأ، وأن الكرامة الوطنية تبدأ باحترام الدولة قبل أي طرف آخر.

ويبقى السؤال الذي يؤرق اللبنانيين منذ عقود: كم نحتاج من التجارب الفاشلة حتى الآن؟ فكم من الخيبة علينا أن نعيشها حتى نقتنع بأن الدولة لا تبنى من الخارج، وأن المنقذ الحقيقي لا يأتي من وراء الحدود، بل يولد من إرادة اللبنانيين أنفسهم، ومن إيمانهم بأن وطنهم لا يحميه إلا شعبه، ولا يمكن إنقاذه إلا بإقامة دولة قوية وعادلة ذات سيادة.

ديفيد عيسى

#لبنان.. #ضائع #في #صراع #المحاور

لبنان… ضائع في صراع المحاور

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – لبنان… ضائع في صراع المحاور

المصدر : www.elsharkonline.com

.