.

اراء و اقلام الدستور – هل أصبح دعم أيباك تهمة انتخابية؟

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – هل أصبح دعم أيباك تهمة انتخابية؟


دستور نيوز

بقلم موفق حرب

“أساس ميديا”

هناك حقائق في السياسة الأمريكية بدت راسخة لدرجة أنها كانت أقرب إلى قوانين الطبيعة منها إلى المواقف السياسية. ومن بينها أن الوقوف إلى جانب إسرائيل يكسب الأصوات ولا يخسرها، وأن دعم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك) يفتح أبواباً أكثر مما يغلق، وأن أي سياسي يطمح إلى منصب وطني كبير لا يجازف بالابتعاد كثيراً عن الإجماع التقليدي المؤيد لتل أبيب. لكن ما بدا مستقراً لعقود من الزمن بدأ يتحرك.

وفي مشهد كان من الصعب تصوره قبل سنوات قليلة، يتجنب بعض المرشحين الآن إعلان دعمهم للوبي المؤيد لإسرائيل، بينما يتفاخر آخرون برفض أمواله. وفي الدوائر المتزايدة، أصبح التقرب من إسرائيل قراراً يحتاج إلى تبرير، في حين أن الابتعاد عنه هو القرار الذي يحتاج إلى تبرير.

ولا يتعلق ذلك بخلاف عابر على حرب غزة، ولا بجدل مؤقت يتمحور حول بنيامين نتنياهو أو إدارة أميركية معينة. ما يحدث أعمق من ذلك. إنه تحول بطيء ولكنه مستمر في الطريقة التي ينظر بها الأميركيون إلى إسرائيل، وموقعها في الحياة السياسية الأميركية، والتكاليف الانتخابية الناجمة عن دعمها أو انتقادها.

سلبية غير مسبوقة؟

ولأن السياسة الأميركية تقاس في نهاية المطاف بالأصوات، وليس بالشعارات، فإن هذا التحول قد يكون من أكثر المتغيرات تأثيراً في الانتخابات النصفية المقبلة، وربما في السباق الرئاسي الذي يلوح في الأفق بعد ذلك.

وهذه ليست قراءة انطباعية أو رغبة يلقيها مراقب للمشهد، بل هي حقائق موثقة ترصدها مراكز الاستطلاع الأكثر رصانة. وأظهر استطلاع أجراه مركز بيو أن 60% من الأميركيين ينظرون الآن إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقارنة بسبعة وثلاثين% فقط يحتفظون بصورة إيجابية عنها. والأكثر دلالة هو أن عدد أصحاب الرأي “السلبي للغاية” تضاعف عدة مرات على مدار بضع سنوات.

لكن الرقم الأهم ليس النسبة العامة، بل هوية أصحابها.

وترتفع المواقف السلبية بين الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً إلى مستويات غير مسبوقة. إن الأجيال التي تشكل مستقبل السياسة الأميركية لم تعد تنظر إلى إسرائيل بنفس عيون جيل الحرب الباردة أو جيل ما بعد 11 سبتمبر. بالنسبة للعديد من الشباب الأميركيين، لم يعد يتم تعريف إسرائيل على أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بل من خلال صور الحرب في غزة، وقضايا حقوق الإنسان، والمناقشات حول العدالة، والهوية، والاستعمار، والتمييز. وبعبارة أخرى، فإن السرد نفسه يتغير.

ولم يعد هذا التحول يقتصر على الحزب الديمقراطي كما كان يعتقد. وأظهرت استطلاعات غالوب تراجع مستويات التعاطف مع إسرائيل داخل قاعدة الجمهوريين أيضا، في حين أظهرت استطلاعات أخرى أن نسبة متزايدة من الأميركيين تعتقد أن واشنطن تقدم دعما مفرطا لتل أبيب.

ولا يعكس هذا التحول تغيرا في الرأي العام، بل يكشف عن شرخ في أحد ركائز الإجماع السياسي الأميركي القائم منذ عقود.

لكن الأرقام، مهما بلغت أهميتها، لا تغير السياسات إلا إذا تحولت إلى أصوات انتخابية. وما كان يعتبر منذ سنوات تغيراً مؤقتاً في المزاج، بدأ يتجلى اليوم في صناديق الاقتراع وفي حسابات المرشحين الذين يقيسون مواقفهم بمقياس الربح والخسارة، وليس بمقياس العواطف. وهنا تبدأ قصة أيباك.

لسنوات عديدة، كان اللوبي المؤيد لإسرائيل يعتبر أحد أكثر مراكز النفوذ السياسي فعالية في واشنطن. وقد منحته قدرته على تمويل الحملات الانتخابية أو استهداف خصومه سمعة شبه أسطورية في الحياة السياسية الأمريكية.

وفي الدورة الانتخابية 2024، أنفق اللوبي وحلفاؤه أكثر من مائة مليون دولار لدعم حلفائه وإسقاط منتقدي إسرائيل. لكن الانتخابات الأخيرة أظهرت أن المال لم يعد يضمن نفس النتائج.

وتمكن المرشحون الذين استهدفتهم الحملات الممولة من جماعات الضغط من الفوز على الرغم من الإنفاق الضخم ضدهم. وقام آخرون بتحويل معارضة أيباك إلى جزء من هويتهم السياسية. والحقيقة أن بعض المرشحين بدأوا ينظرون إلى ارتباط خصومهم باللوبي باعتباره نقطة ضعف انتخابية وليس مصدر قوة.

وبدلاً من التباهي بدعم أيباك، فإن بعض الساسة البارزين يعلنون الآن صراحة أنهم لم يقبلوا الدعم من أيباك ولن يقبلوه في المستقبل. وعندما تأتي هذه المواقف من أسماء يتم تداولها كمرشحين محتملين للبيت الأبيض عام 2028، يصبح من الصعب اعتبار الأمر تكتيكا انتخابيا محليا. وهو مؤشر على اتساع الاتجاه السياسي. واللافت أن التحول لا يقتصر على الديمقراطيين.

وقد بدأ صدع متزايد في الظهور داخل الحزب الجمهوري نفسه بين المحافظين التقليديين الذين يرون في دعم إسرائيل التزاماً استراتيجياً وأخلاقياً راسخاً، وحركة “أميركا أولاً”، التي تشكك في جدوى استمرار التدخل الأميركي في صراعات الشرق الأوسط وتكلفة الدعم غير المشروط للحلفاء في الخارج.

ولا يزال هذا الانقسام محدودا، لكنه يصبح أكثر وضوحا مع كل أزمة إقليمية جديدة. ولعل أوضح الإشارات جاءت من داخل الإدارة الأمريكية نفسها. وأدلى نائب الرئيس جي دي فانس بتصريحات نادرة حذر فيها الإسرائيليين من سوء تقدير حجم الدعم الدولي المتبقي لهم، مشيرا إلى أن الرئيس دونالد ترامب يكاد يكون من آخر الزعماء الغربيين الذين ما زالوا يقدمون دعما سياسيا واسعا لإسرائيل.

لم تكن هذه الكلمات مجرد ملاحظة عابرة، بل كانت رسالة سياسية ذات مضمون واضح: لم تعد إسرائيل تتمتع بنفس الوضع المريح الذي كانت تتمتع به داخل الرأي العام الغربي.

هل بدأ الإجماع يتآكل؟

وكان ترامب نفسه قد بعث برسائل مماثلة عندما مارس ضغوطا على حكومة بنيامين نتنياهو لاحتواء بعض خطواتها العسكرية، في إشارة إلى أن الإدارة بدأت أحيانا تنظر إلى سياسات نتنياهو باعتبارها عبئا على أولوياتها الإقليمية والدولية، وليس جزءا تلقائيا من أجندتها.

الأهم هو أن إسرائيل لم تعد تواجه معركة صورتها داخل الجامعات الأمريكية فقط، بل داخل الطبقة السياسية نفسها أيضًا. المرشح الذي كان يتباهى قبل سنوات بصورة جمعته مع زعماء ايباك، يسأل الآن مستشاريه عما إذا كانت تلك الصورة ستجذب الأصوات أم تنفرهم. هذه ليست أزمة علاقات عامة عابرة، بل هي بداية تحول في البيئة السياسية التي شكلت لعقود من الزمن أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية في العالم.

وفي السياسة تظل المواقف ثابتة ما دامت تكاليفها محدودة. وعندما ترتفع التكلفة، تبدأ الحسابات في التغير.

لعقود من الزمن، كان دعم إسرائيل موقفاً سياسياً مريحاً. فهو يمنح السياسي الأمريكي الأصوات والتمويل ويحميه من الهجمات. واليوم، لم تبدأ المعادلة تتغير لأن الطبقة السياسية الأميركية اكتشفت فجأة حقائق جديدة عن الشرق الأوسط، بل لأن الناخب الأميركي نفسه يتغير، ولأن الساسة في نهاية المطاف يتبعون الناخب أكثر مما يقودونه.

وربما لا تزال العلاقة الأميركية الإسرائيلية أقوى من أن تهتز بفعل دورة انتخابية أو خلاف بين رئيس ورئيس وزراء. لكن جوهر العلاقة اليوم لا يتغير بقدر تغير المناخ السياسي الذي يحميها.

ولم تعتمد إسرائيل على المساعدات العسكرية أو الدعم الدبلوماسي فقط، بل على وجود إجماع أميركي واسع يعتبر الوقوف إلى جانبها أمرا بديهيا ولا يحتاج إلى تفسير أو تبرير.

وهذا الإجماع يتآكل ببطء، لكنه يتآكل بالفعل. الخطر بالنسبة لإسرائيل لا يكمن في خسارة رئيس أو حزب أو انتخابات، بل في فقدان مكانتها كقضية فوق السياسة. وعندما تصبح إسرائيل قضية خلافية داخل المجتمع الأميركي، فإنها تخضع لنفس القوانين السياسية التي تخضع لها بقية القضايا: حسابات الأصوات، وتقلبات المزاج الشعبي، وصعود أجيال جديدة.

إذن فالمشكلة لم تعد في البيت الأبيض أو الكونغرس، بل في المرآة التي تنظر منها أميركا إلى إسرائيل. وهذه مرآة يصعب على أي لوبي، مهما كان تأثيره أو حجم أمواله، أن يغير ما يعكسه إلى الأبد.

بالتوفيق حرب

#هل #أصبح #دعم #أيباك #تهمة #انتخابية

هل أصبح دعم أيباك تهمة انتخابية؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – هل أصبح دعم أيباك تهمة انتخابية؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.