.

اراء و اقلام الدستور – حكومة الصمود السياسي: إسقاطها كسر للدولة

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – حكومة الصمود السياسي: إسقاطها كسر للدولة


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني

“أساس ميديا”

المشكلة ليست في الحكومة الحالية، بل في التوجه المزمن داخل الحياة السياسية اللبنانية إلى التعامل مع كل أزمة على أنها فرصة لإعادة السلطة من جديد. ولا يستطيع أي بلد أن يبني استقراراً دائماً إذا كانت شرعية سلطاته خاضعة للمراجعة بعد كل حرب أو أزمة.

ولا يستطيع أي نظام سياسي أن ينتج استمرارية حقيقية إذا ظل أسيراً لفكرة مفادها أن كل تحول إقليمي أو أمني يتطلب إعادة بناء مؤسساته من الصفر. ومن هنا بالضبط تأتي الدعوات المتكررة لتعديل الحكومة أو أن أهميته تتجاوز الحكومة نفسها، لأنها تعيد فتح جدل يفترض أن لبنان دفع أثماناً باهظة للخروج منه.

ويدخل لبنان الحرب منذ الثاني من آذار/مارس مثقلاً بأزمات سياسية واقتصادية ومؤسساتية متراكمة. في ظل هذه الظروف، كان من السهل أن تنزلق البلاد إلى أزمة حكم جديدة أو إلى دورة إضافية من الشلل والانقسام. لكن الحكومة برئاسة القاضي نواف سلام نجحت في الحفاظ على استمرارية السلطة التنفيذية، ومنعت تداعيات الحرب من التحول إلى انهيار سياسي داخلي شامل، ما أعطاها بعداً يتجاوز حدود العمل الحكومي التقليدي.

ولم يكن هذا الصمود السياسي منفصلاً عن الاستقرار الدستوري الذي تحقق بانتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بعد فراغ رئاسي طويل أنهك مؤسسات الدولة وأضعف قدرتها على العمل. لم يكن انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة حدثين منفصلين، بل شكّلا معاً بداية مرحلة جديدة أعادت إنتاج السلطة الشرعية في لبنان. ولذلك فإن أي حديث عن مصير الحكومة اليوم يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية: الحفاظ على الاستقرار الذي تحقق أصعب بكثير من تحقيقه.

السلام والصمود السياسي

عادة ما تقاس الحكومات في الدول المستقرة بما تحققه من إصلاحات ومشاريع وسياسات عامة. أما الدول التي تمر بمراحل استثنائية، كما هو الحال مع لبنان، فإن المعيار الأول يصبح القدرة على منع الانهيار والقدرة على البقاء على الصمود السياسي، ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم أهمية التجربة التي مثلتها حكومة نواف سلام خلال المرحلة الماضية.

الحكومة الحالية لم تصبح جزءاً من الاستقرار لأنها نجحت في كل القضايا، بل لأنها أثبتت خلال الحرب وبعدها أنها الإطار السياسي الوحيد القادر على منع الانقسام اللبناني من التحول إلى أزمة حكم جديدة. هذه ليست مسألة رسمية أو تفاصيل إدارية. وفي بلد اعتادت الأزمات فيه أن تتحول إلى أسباب مباشرة لتعطيل مؤسساتها، فإن استمرار السلطة في حد ذاته يصبح إنجازا سياسيا لا يمكن الاستهانة به.

واجهت الحكومة ضغوطاً داخلية متضاربة، واستحقاقات مناطقية معقدة، ونقاشات سياسية حادة حول توجهات الدولة وخياراتها. إلا أنها استمرت، ولم تسمح للانقسامات القائمة أن تتحول إلى فراغ جديد أو إلى أزمة دستورية إضافية. ومن هنا تنبع أهميتها الفعلية حتى مثلت السعودية الخماسي العربي والدولي وعملت على انتخاب الرئيس عون، معتبرة أن «إعادة الدور الدستوري» لرئاسة الجمهورية هي الخطوة الأولى والأهم لإعادة تشكيل سلطة الدولة.

القيمة السياسية للحكومة اليوم لا تكمن في الادعاء بأنها حكومة مثالية، بل في أنها قدمت للبنان ما كان يفتقده منذ سنوات طويلة: الحد الأدنى من الاستمرارية السياسية في مرحلة كان فيها الانقطاع أكثر احتمالاً من الاستمرارية.

عون والاستقرار الدستوري

ولا يمكن فهم موقف الحكومة الحالية من دون العودة إلى اللحظة التي سبقتها. ولم يصل لبنان إلى هذه المرحلة بعد دورة سياسية عادية، بل بعد فراغ رئاسي طويل أصبحت خلاله مؤسسات الدولة رهينة للتوترات والانقسامات.

ومن هذه الزاوية، كان انتخاب الرئيس رمزاً للاستقرار الدستوري الذي كانت البلاد بأمس الحاجة إليه.

ولكن الاستقرار الدستوري لا يعيش وحده؛ فهو يحتاج إلى ترجمة سياسية ومؤسسية لضمان استمراريته. وهنا جاءت حكومة سلام لتعطي لهذا الاستقرار بعده العملي. ولذلك فإن العلاقة بين الرئاسة والحكومة ليست علاقة منفصلة، ​​بل هي جزء من مسار واحد أعاد تشكيل السلطة الشرعية بعد سنوات من العرقلة.

ومن هنا، يبدو أن الدعوات لإسقاط الحكومة تتجاهل أن السلطة القائمة ليست مجرد حكومة قائمة بذاتها، بل هي جزء من توازن سياسي ودستوري أخرج لبنان من إحدى مراحله الأكثر هشاشة وتعقيداً. الانتقال إلى المطالبة بإسقاط الحكومة يتطلب الإجابة على سؤال بسيط ومباشر: ماذا بعد؟

إن شرعية السلطة لا تقاس بنتائج الحروب

في أعماق الجدل السياسي الراهن، تبرز فكرة خطيرة مفادها أن التحولات التي تنتجها الحروب تمنح تلقائيا الحق في إعادة تشكيل السلطة وإعادة توزيع شرعيتها. لكن هذا المنطق يحمل في طياته بذور عدم الاستقرار الدائم. وإذا كان معيار الشرعية هو ما تنتجه الحروب، فلماذا نلجأ إلى المؤسسات أصلاً؟ إذا كانت كل مواجهة تعطي الحق في إعادة السلطة، فلماذا تتمتع أي سلطة بشرعية مستقرة؟

إن المنطق الذي يربط شرعية السلطة بنتائج الحروب هو نفس المنطق الذي يجعل أي استقرار مؤقتا، وأي دولة قابلة للإعادة في كل أزمة. ولذلك فإن الأمر لا يتعلق فقط بالحكومة الحالية، بل بطريقة تفكير اللبنانيين في إدارة أزماتهم السياسية. فالدول لا تستقر عندما تعيد بناء سلطاتها بعد كل أزمة، بل عندما تحمي المؤسسات التي نجحت في الصمود في وجه الأزمات.

وبهذا المعنى بالذات، يصبح الدفاع عن استمرار حكومة نواف سلام دفاعاً عن الاستقرار السياسي والصمود السياسي الذي استطاع لبنان أن يحققه قبل الحرب وأثناءها وبعدها. ليس لأنه فوق النقد، بل لأنه يمثل اليوم الإطار السياسي الأقدر على حماية الاستقرار الذي تحقق ومنع البلاد من العودة إلى دوامة الفراغ التي دفعت ثمنها مرارا وتكرارا على مدى السنوات الماضية.

القيمة السياسية الفعلية لحكومة نواف سلام لا تكمن في استمرارها فحسب، بل في نجاحها في إدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية من دون أن تتحول إلى طرف إضافي في الانقسام اللبناني. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تهدد بنشر الانقسامات المناطقية داخل مؤسساتها، حافظت الحكومة على الحد الأدنى من اللحمة الوطنية التي سمحت باستمرار عمل السلطة التنفيذية.

أيمن الجزيني

#حكومة #الصمود #السياسي #إسقاطها #كسر #للدولة

حكومة الصمود السياسي: إسقاطها كسر للدولة

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حكومة الصمود السياسي: إسقاطها كسر للدولة

المصدر : www.elsharkonline.com

.