.

اراء و اقلام الدستور – العيش خارج الزمن

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – العيش خارج الزمن


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

ولا مشكلة مع الأفكار المحافظة في حد ذاتها، ولا مع حق الإنسان في اختيار أسلوب حياته وملابسه ما دام لا يخرج عن المألوف. بل تبدأ الأزمة عندما يتحول هذا الاختيار إلى حالة من الانفصال عن الواقع وعدم القدرة على التكيف مع متطلبات العصر الذي نعيش فيه.

تروي إحدى السوريات المنتقبات أنها توجهت إلى إحدى شركات تحويل الأموال لتحصيل الأموال المرسلة إليها، وقدمت بطاقتها الشخصية إلى الموظف المسؤول، لكنها «تفاجأت» بإصرار الموظفة على رؤية وجهها للتأكد من تطابق الصورة الموجودة في البطاقة الشخصية مع حامل البطاقة. وبعد الحجج والاحتجاجات، اضطرت المرأة في النهاية إلى الكشف عن وجهها للموظفة من أجل الحصول على تحويلها.

وبطبيعة الحال، هذه الحادثة ليست استثناء. بل يتكرر وسيتكرر يومياً في المطارات والبنوك والدوائر الحكومية والمنافذ الحدودية والمؤسسات الخاصة، ما دام هناك من يصر على إخفاء وجوهه والاختباء خلف قطعة قماش سوداء تحجب حق الآخرين في التحقق من هوية الشخص الذي يتعاملون معه. إن فكرة التحقق من الهوية ليست نزوة بيروقراطية، بل هي ضرورة تفرضها الاعتبارات الأمنية وحماية الحقوق ومنع التزوير أو انتحال الشخصية. ولذلك يبدو غريباً حقاً أن تتعامل بعض النساء مع هذا الطلب البديهي وكأنه اعتداء على هويتهن. معتقداتهم أو انتهاك لحرياتهم الشخصية.

ولعل أوضح مثال على ذلك هو الجدل المتكرر حول النقاب وما يصاحبه من اشتباكات يومية بين بعض المحجبات والقوانين والإجراءات المدنية والقانونية التي تقتضي كشف الوجه للتحقق من الهوية الشخصية. وهذا ما نراه ونتابعه في أغلب الدول الأوروبية، حيث تم منع النساء المسلمات من دخول الأماكن العامة وفرض غرامات مالية عليهن لمخالفتهن القوانين التي تحظر تغطية الوجه في تلك الأماكن. لكن الملفت للنظر هو إصرار هؤلاء المحجبات على تجاهل وجودهن مطلقا، ​​وكأن القناعة الشخصية تعفي صاحبتهن من الالتزام بالقواعد التي تنظم الحياة العامة في المجتمع الذي يختار المرء أن يعيش فيه.

تكشف هذه الحقائق عن أزمة فكرية تتجاوز مسألة اللباس بحد ذاتها. كثير من النساء المتمسكات بالنقاب لم يطرحن، وربما لا يجرؤن على طرح سؤال بسيط على أنفسهن: هل كانت مسألة تغطية الوجه ممارسة دينية ثابتة ومفروضة عبر التاريخ الإسلامي؟ فهل عاشت خديجة أو عائشة أو أي من زوجات الرسول (ص) أو حتى كل نساء الجيل الأول من المسلمين وفق هذا النموذج الذي يقدم اليوم كجزء لا يتجزأ من الدين؟

والحقيقة أن النقاب كما نعرفه اليوم لم يكن النموذج السائد في مختلف المجتمعات الإسلامية على مر القرون، ولم يتحول في أي مرحلة تاريخية إلى زي موحد تلتزم به جميع النساء المسلمات. بل تغيرت أنماط اللباس باختلاف الأزمنة والأمكنة والثقافات، وفي كل تلك الأزمنة والأمكنة ظل وجه المرأة مكشوفا في كثير من البيئات الإسلامية، إن لم يكن كلها، دون أن يعتبر ذلك خروجا عن الدين.

وساهمت القراءات والآراء «الفقهية» الصارمة والمتأخرة للنصوص الدينية في ترسيخ فكرة أن تغطية الوجه واجب شرعي مطلق. ثم انتقلت هذه الفكرة عبر التبشير السلفي حتى أصبحت عند بعض الفئات جزءا من الهوية الشخصية والدينية. وتبنت بعض النساء هذا الخيار عن قناعة، في حين فُرضت على أخريات بسبب ضغوط اجتماعية أو عائلية، لكن النتيجة واحدة: ظهور قناعة شبه راسخة بأن النقاب يمثل حقيقة دينية نهائية لا يجوز مناقشتها أو إعادة النظر فيها.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في صحة هذا الرأي أو عدم صحته، ولا أريد هنا الدخول في نقاش فقهي في هذا الشأن. بل المشكلة تكمن في عدم قدرة هذه الفئات على التعامل مع الواقع المتغير. تقوم الحياة العصرية على أنظمة إدارية وقانونية وأمنية تحتاج إلى التحقق المباشر من هوية الأشخاص، والوجه الإنساني هو عنوان كل ذلك. ومن غير المنطقي أن يطالب الفرد المجتمع بأكمله بإعادة تصميم مؤسساته وقوانينه لتتوافق مع تفسير فقهي معين يتبناه هو أو جماعته.

والتأقلم مع العصر لا يعني التخلي عن الدين، خاصة أن هذا النمط من الحجاب ليس من بنيان الدين. بل هو مجرد رأي فقهي إنساني غير ملزم ولا أكثر. كما أن احترام القوانين لا يعني التخلي عن المعتقدات. وتجمع ملايين النساء المسلمات حول العالم بين التزامهن الديني الكامل والقدرة على الانخراط في الحياة العامة واحترام الأنظمة السائدة دون الشعور بأي تعارض بين الأمرين.

إن العيش خارج الزمن تماما يعني الاعتقاد بأن العالم يجب أن يتوقف عند لحظة تاريخية محددة، وأن كل ما حدث بعد ذلك هو مجرد انحراف يجب مقاومته. وهو مؤشر على عدم القدرة على إدراك أن المجتمعات تتغير، وأن الناس يطورون باستمرار أدوات جديدة لتنظيم حياتهم وحماية أمنهم وحقوقهم. ولذلك فإن مسألة النقاب ليست مجرد نقاش حول قطعة قماش تغطي الوجه، بل هي في جوهرها نقاش حول العلاقة بين الإنسان والزمن، بين الاعتقاد والواقع، بين حق الاختيار وواجب التكيف مع ظروف العيش المشترك، وعندما يصبح الالتزام بشكل معين من اللباس سببا دائما. ومن أجل الاصطدام بالمجتمع والقانون ومؤسسات الدولة، لم يعد السؤال الحقيقي يتعلق بالثوب نفسه، بل بمدى استعداد صاحبه للعيش في عصره وزمانه بدلا من العيش خارج الزمن برمته.

وللأسف، كل ما سبق ينطبق على أولئك الذين يضعون حجاباً من الرجال على عقولهم، ويمنعهم من فرصة التواصل مع العصر والعيش فيه.

#العيش #خارج #الزمن

العيش خارج الزمن

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – العيش خارج الزمن

المصدر : www.enabbaladi.net

.