دستور نيوز
بقلم ابراهيم ريحان
“أساس ميديا”
ويكفي أن نتأمل ملامحه الحادة ونظراته التي تجسّد قسوة شتاء أوروبا الشرقية لتعرف أنه ينتمي إلى فئة خاصة من الرجال، أولئك الذين لا يصدرون ضجيجاً، بل الضجيج يستمع إليهم.
رومان جوفمان، الرجل الذي حملته “الهجرة اليهودية” وهو مراهق من مدينة “ماريز” في بيلاروسيا، وسط أنقاض الاتحاد السوفييتي المنهار عام 1990، ليجد نفسه غريباً في تفاصيل الشرق الأوسط. وهو اليوم يجلس في المقعد الأكثر غموضاً وإثارة للقلق في المنطقة، وربما في العالم: رئاسة جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية، الموساد، خلفاً لديفيد بارنيا.
ومطلع يونيو/حزيران الجاري، دخل جوفمان مكتبه الجديد بمقر الوكالة، محاطا بالسرية والأسلاك الشائكة والمخاوف الأمنية، بطريقة غير معتادة. ولم يتحرك الرجل في غرف الموساد المظلمة. ولم يعبر مراكب عملياته الخارجية. لقد جاء بالمظلة من أعلى الهيكل بقرار من بنيامين نتنياهو، وعبر البوابة التي أقرتها المحكمة العليا بعد أسابيع من الضربات القانونية والسياسية، ليبدأ فترة ولايته البالغة خمس سنوات وسط عاصفة من الأسئلة والجدل.
الصبي القادم من الصقيع
عندما وصل رومان غوفمان إلى أشدود جنوب فلسطين، وهو في الرابعة عشرة من عمره، لم يكن لديه سوى لغته الروسية وذكرى مثقلة ببرد بيلاروسيا.
وكانت الدولة العبرية آنذاك تعيش تحت تأثير موجات الهجرة الكبرى التي أعادت تشكيل وجه المجتمع والجيش. وسرعان ما أدرك الصبي أن العبور إلى النخبة في هذا البلد يمر عبر الزي العسكري والتفوق الميداني.
والمفارقة الصادمة هنا هي أن هذا المهاجر الذي وصل مع المجموعات المتأخرة دون أن يتقن العبرية، أصبح بعد ستة وثلاثين عاما، الرجل الذي يدير أعقد شبكة تجسس في العالم. لقد جلب جوفمان معه عقلية أوروبا الشرقية الصارمة، القائمة على الانضباط الحديدي والشك المستمر، إلى جهاز معروف عبر التاريخ بمرونته الغربية.
اختر السلاح المدرع. صقل جوفمان شخصيته وسط هدير الدبابات وغبار التدريبات. ولم يكن ضابطا عاديا. لقد جمع بين انضباط المدارس العسكرية السوفيتية القديمة والقدرة على الفهم السريع لمتطلبات الأمن الإسرائيلي. وتدرج في الرتب من قيادة الكتيبة 75 في اللواء السابع، إلى ضابط عمليات الفرقة 36، وصولا إلى قيادة لواء “عتصيون” الإقليمي الذي أسسته عصابات “الهاجاناه” عام 1947.
لكن الحدث الأبرز الذي شكل وعيه بالتهديدات الإقليمية كان قيادته لفرقة 2010، أو فرقة “باشان”، المتمركزة في هضبة الجولان. وهناك، من مرتفعات تلك الهضبة المطلة على تفاصيل الجرح السوري، كان غوفمان يراقب من خلال منظاره العسكري تحركات «الحزب» والميليشيات الإيرانية، ويدرس عن كثب كيف تتقاطع الجغرافيا مع الأمن وكيف تتقاطع خطوط النار بين دمشق وطهران وبيروت.
الجنرال يخرج من بين الأموات
لم يكن يوم 7 أكتوبر 2023 يومًا عاديًا في تاريخ إسرائيل، ولا في حياة رومان جوفمان. عندما اجتاح «الطوفان» قطاع غزة، لم ينتظر الضابط الذي كان يقود المركز الوطني لتدريب المشاة تنفيذ أوامر القيادة العليا. وركب سيارته واتجه جنوبا حاملا سلاحه الشخصي. وفي مفرق “شعار هنيغف” وفي شوارع مستوطنة “سديروت”، دخل في مواجهة مباشرة وجهاً لوجه مع عناصر “نخبة القسام”، وأصيب بجروح خطيرة في ركبته كادت أن تنهي مسيرته العسكرية بعد أن نزف حتى الموت.
في تاريخ الجيش الإسرائيلي، نادرا ما يذهب قائد مركز تدريب إلى المعركة دون أوامر. ولكن جوفمان فعل ذلك، فكشف عن ميل ساحق نحو المبادرة الفردية و”خرق البروتوكولات”. وهذا هو بالضبط الأسلوب الذي يسعى إليه الموساد في العمليات الخارجية، حتى لو كان يرعب البيروقراطيين في المباني الإدارية في تل أبيب.
وقد منحه هذا النسيج الخشن من الموت والدم “ارتقاءا عظيما” داخل مجتمع عسكري يمجد “الأبطال”، وجعل من الصعب على خصومه السياسيين فيما بعد أن يتهموه بالجبن. لكن الإصابة التي تركت بصماتها على مشيته فتحت له باباً آخر. كان رئيس وزراء القدس «المحاصر» بنيامين نتنياهو يبحث عن رجاله، وتحديداً أولئك الذين جمعوا بين الشجاعة على الأرض والولاء المطلق. وفي مايو 2024، تمت ترقية غوفمان إلى رتبة لواء وعُين سكرتيرًا عسكريًا لنتنياهو.
خلع جوفمان زيه الميداني في مكتب رئيس الوزراء ليرتدي قميصًا دبلوماسيًا أمنيًا سريًا. وأصبح حارس أسرار شركة بريتش بتروليوم ومبعوثه الخاص في الملفات الإقليمية الحساسة. وتعرف في «الديوان» كيف تدار اللعبة السياسية، وكيف تُنسج التحالفات خلف الكواليس، وكيف يمكن للأمن أن يخدم البقاء السياسي.
وهنا نضجت فكرة استخدامه للقفز إلى قمة الهرم الاستخباراتي، كما قال عنه نتنياهو عند ترشيحه للمنصب: “رومان جوفمان ليس ضابطا شجاعا فحسب، بل يمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز حدود المجال العسكري. وقد أثبت في أحلك الظروف، وفي قاعات مكتبي، أنه رجل المهام الصعبة، يجمع بين صرامة المقاتل ودبلوماسية الظل”.
زلزال في الموساد
وعندما طرح نتنياهو اسم غوفمان خلفاً لديفيد بارنيا نهاية عام 2026، اهتزت أسس المؤسسة الأمنية. الجهاز الذي يرى نفسه «طائفة مغلقة» و«نادياً سرياً» لا يقبل الغرباء. وجد نفسه أمام جنرال قادم من الجيش، والأخطر من ذلك، من المقعد الخلفي لسيارة رئيس الوزراء.
كان الموساد يفضل دائما أبنائه، الرجال الذين نمت أظافرهم في قسم “تسوميت” (عملاء التجنيد) أو “قيصرية” (العمليات الخاصة).
وكان تعيين جوفمان بمثابة إعلان للسلطة السياسية لكسر هذا “الكهنوت”. وتعالت أصوات تحذيرية من “تسييس الجهاز”، وأعرب مسؤول أمني سابق في الموساد عن هذا القلق لصحيفة “معاريف” بالقول: “نحن ندخل مرحلة غير مسبوقة. خطورة تعيين غوفمان لا تكمن في كفاءته، فهو ضابط ممتاز، بل في كونه أول قائد يأتي مباشرة من المقعد الخلفي لسيارة رئيس الوزراء”. «الموساد» جهاز أنشئ ليقول الحقيقة العارية للسياسي، وليس لتوفير الذخيرة الأمنية لخياراته».
ووجه المعارضون التماساتهم إلى المحكمة العليا، لكن غوفمان ببرودته المعتادة انتظر في الظل حتى يكون للقضاء كلمته النهائية لصالح تعيينه مطلع حزيران (يونيو) الجاري.
جدول أعمال فوق فوهة بركانية
رومان جوفمان يدخل مكتبه والشرق الأوسط يغلي فوق صفيح ساخن. تعيينه يؤسس لعصر من “الأمن السياسي” المتوافق تماماً مع متطلبات المطبخ السياسي لنتنياهو. ويشير إلى أن إسرائيل تتوقع سنوات من “المواجهة العلنية القاسية”. اختيار جنرال خاض حروب المدرعات على الحدود السورية يعني أن المرحلة المقبلة تتجاوز حرب الاغتيالات الصامتة في المقاهي.
على مكتب مدير الموساد الجديد ملفات لا يمكن تأجيلها:
– الملف الإيراني: كيف سيتم مقاربة الطموح النووي الإيراني؟ التخريب الصامت؟ أم الضربات العنيفة التي تلقاها بين الدبابات؟
– استعادة الردع: جاء غوفمان والجهاز ما زال يحاول أن ينفض غبار إخفاقات 7 تشرين الكبرى، وهو مطلوب منه أن يعيد الهيبة لعين إسرائيل التي لا تنام.
– الملف الإقليمي الدولي: سيتعين عليه إدارة قنوات الاتصال السرية مع عواصم المنطقة والعالم وسط التعقيدات، مستفيدا من شبكة علاقاته كسكرتير عسكري.
لغز الجنرال
إن كل من يراقب مسيرة جوفمان المهنية يخلص إلى أنه مزيج خطير من صرامة الجنرال السوفييتي ومكر السياسي الإسرائيلي. هو رجل التناقضات الصارخة: يحمل جرحاً في ركبته من قطاع غزة، وعقله من شتاء بيلاروسيا، وولاؤه من «مكتب نتنياهو».
فهل ينجح «الفتى المهاجر» في قيادة سفينة «الموساد» وسط أمواج الشرق الأوسط المضطربة، أم أن حسابات السياسيين الذين أتوا به ستكون العبء الذي يثقل كاهله؟
وحدها الأيام، والعمليات التي لن يعلن عنها، هي التي ستحمل الجواب.
ابراهيم ريحان
#رومان #جوفمان #رجل #نتنياهو #في #قمرة #قيادة #الموساد
رومان جوفمان: رجل نتنياهو في قمرة قيادة الموساد
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – رومان جوفمان: رجل نتنياهو في قمرة قيادة الموساد
المصدر : www.elsharkonline.com
