دستور نيوز
بقلم الدكتور يوسف العميري
قبل خمسة وأربعين عاماً، عندما خرجت فكرة مجلس التعاون الخليجي إلى النور، كانت الفكرة أكبر من مجرد مشروع سياسي عابر أو إطار بروتوكولي يضاف إلى قائمة العديد من المنظمات العربية. لقد كان حلماً خليجياً حقيقياً ولد من رحم الاهتمام المشترك والطموح المشترك أيضاً.
أقولها بكل فخر وشرف: إن الكويت، التي لعبت دورا محوريا في الدفع بهذه الفكرة منذ بداياتها، أدركت مبكرا أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لخلق الأمن، وأن تشابه الأنظمة والمجتمعات والثقافة يحتاج إلى مظلة أكبر لحمايتها وتحويلها إلى قوة حقيقية.
منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، شعر المواطن الخليجي لأول مرة أن هناك ما يسمى بالوطن الخليجي. وأصبح السفر بالبطاقة المدنية ممكنا، وبدأت الحدود تخفف تدريجيا في الوعي الشعبي، وبدأت الأسرة الخليجية الممتدة تتحرك بسهولة بين الكويت والسعودية والبحرين والإمارات وقطر وعمان، وكأن المجلس يحاول إعادة تشكيل الجغرافيا بروح اجتماعية واحدة.
لكن الحقيقة أيضا – والتي لا أخفيها – أن شعوب الخليج كانت تحلم بأكثر من ذلك بكثير.
وكان المواطنون الخليجيون يتصورون منذ الثمانينيات أن يتحول المجلس إلى نسخة عربية مصغرة من الاتحاد الأوروبي، مع سوق خليجية مشتركة حقيقية، وعملة موحدة، وخط سكة حديد يربط الخليج من طرف إلى آخر، وتكامل اقتصادي يجعل حركة البضائع والأشخاص والاستثمارات أمرا طبيعيا، لا تعيقه البيروقراطية أو الحسابات الضيقة.
وكانت هناك أحلام بموانئ موحدة وصناعات مشتركة وغذاء وماء واستراتيجيات أمنية تجعل من الخليج كتلة اقتصادية عالمية، وليس مجرد دول مجاورة توحدها المصالح النفطية.
بعض هذه الأحلام تحققت جزئياً، لكن الكثير منها بقي معلقاً في الهواء، مؤجلاً من قمة إلى أخرى، ومن لجنة إلى لجنة، حتى بدا وكأن زمن الخليج يتحرك بشكل أبطأ من التحديات المحيطة به.
واليوم، بعد التصعيد العسكري الخطير في المنطقة، والحرب الأميركية الإسرائيلية المفتوحة ضد إيران، وما تلاها من تهديدات للممرات البحرية وتبادل الضربات وهجمات الميليشيات، أصبح من الواضح أن الخليج لم يعد يملك ترف التأجيل. فعندما ينغلق مضيق هرمز أو يصبح مهدداً بالإغلاق، تجد دول مثل الكويت والبحرين والعراق نفسها في مواجهة سؤال وجودي حقيقي: ماذا لو تعطلت شرايين النفط؟
وهذه الحرب، بكل ما فيها من توتر وخطورة، يجب أن تكون جرس إنذار للخليج، وليس مجرد حدث عابر في الأخبار. ولأن المنطقة تغيرت، تغير العالم، ولم يعد الاعتماد المطلق على النفط ضمانة للمستقبل، بل أصبح مصدر قلق استراتيجي.
ومن هنا فإن الحديث عن التكامل الخليجي لا يصبح ترفاً سياسياً.. بل ضرورة للبقاء.
فالمطلوب اليوم ليس فقط بيانات التضامن أو القمم الطارئة، بل إعادة تعريف المشروع الخليجي نفسه. والمطلوب هو أن يتحول مجلس التعاون من إطار تنسيقي إلى مشروع اقتصادي واستثماري وتنموي عميق. وكما وحدتنا المخاطر الأمنية لعقود من الزمن، يتعين علينا الآن أن نتوحد بسبب القلق بشأن المستقبل الاقتصادي.
فالكويت، على سبيل المثال، كانت تاريخيا من أكثر دول الخليج حضورا في الاستثمار العربي، وكانت أموالها واستثماراتها جزءا من مشاريع تنموية كبيرة في مصر والمغرب وتونس وغيرها من الدول العربية. لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعا ملحوظا في هذا الدور، فيما يعيد العالم كله رسم خرائط النفوذ من خلال الاقتصاد والاستثمار، وليس من خلال السياسة وحدها.
والحقيقة أن الاستثمار الخليجي في الدول العربية ليس عملاً خيرياً، بل هو استثمار استراتيجي مربح بكل المقاييس.
فمصر مثلا بسوقها الضخمة وموقعها الجغرافي وقدراتها البشرية، والمغرب باستقرارها وانفتاحها الصناعي، وتونس بإمكاناتها البشرية والتعليمية، لا تشكل عبئا على رأس المال الخليجي، بل فرصة حقيقية لتنويع مصادر الدخل وخلق عمق اقتصادي عربي مشترك.
والحقيقة أن أمن الخليج ذاته لن يظل معزولاً عن استقرار الاقتصاد العربي الأوسع، إذ لم تعد المنطقة قادرة على تحمل فكرة الجزر المنفصلة. ما يحدث في البحر الأحمر يؤثر على الخليج، وما يحدث في مضيق هرمز يهز الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب في دولة عربية ينعكس على الجميع.
ولهذا السبب قد تكون اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإحياء الروح الأصلية التي تأسس عليها مجلس التعاون: فكرة أن المصير واحد، وأن التحديات المشتركة تتطلب استجابة مشتركة، وليس حلولاً فردية مؤقتة.
بعد مرور خمسة وأربعين عاماً على الحلم الخليجي الأول، لم يعد السؤال: هل نحن بحاجة إلى تكامل خليجي أكبر؟ بل أصبح السؤال الأخطر: هل تستطيع دول الخليج مواجهة العالم القادم وكل دولة تتحرك بمفردها؟
د.يوسف العميري
#بعد #عاما #على #تأسيسه. #هل #حان #الوقت #لمجلس #تعاون #حقيقي
بعد 45 عاماً على تأسيسه.. هل حان الوقت لمجلس تعاون حقيقي؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بعد 45 عاماً على تأسيسه.. هل حان الوقت لمجلس تعاون حقيقي؟
المصدر : www.elsharkonline.com
