دستور نيوز
في فيلم «قصص موازية»، لا ينطلق المشاهد من قصة عادية، بل من ارتباك بصري وفكري يضعه منذ اللحظة الأولى أمام سؤال وجودي معلق: من يراقب من؟ من يكتب حياة الآخرين بصمت خلف زجاج شفاف يبدو بالتفصيل أكثر مما يكشف؟ وهنا لم تعد الشخصيات مجرد أدوار ضمن سرد سينمائي، بل أصبحت مرايا متقابلة تعكس هشاشة الإنسان عندما يحاول فهم العالم دون الانخراط فيه بشكل كامل. هل البعد يكفي لرؤية الحقيقة أم أن القرب هو الذي يكشف العمى الحقيقي الذي نعيشه في داخلنا؟
في هذا العالم المتوتر بين العزلة والمراقبة، تتقدم سيلفي ككاتبة لا تكتب بقدر ما تتأمل ما لا تستطيع أن تعيشه، بينما يكسر آدم هذا التوازن كصدمة تعيد ترتيب المعنى، فتبدأ الأسئلة بالانفجار: هل الخيال خلاص أم فخ؟ هل الإنسان قادر على امتلاك قصته، أم أنه مجرد انعكاس في روايات الآخرين؟ مع كل مشهد، يبدو الفيلم يهمس بأن الحقيقة ليست شيئًا نصل إليه، بل هي شيء يتفتت كلما اقتربنا منه، ويترك المشاهد في منطقة معلقة بين الإدراك والشك، بين ما يُرى وما لا يمكن رؤيته.
تقاطعات العوالم والشخصيات
في فيلم «حكايات موازية» إنتاج فرنسي وبلجيكي وإيطالي مشترك (140 دقيقة/ 2026) للمخرج أصغر فرهادي، تتقاطع الشخصيات كما تتقاطع العوالم الخفية خلف النوافذ المغلقة، حيث يتحول سكون الحياة اليومية إلى مادة روائية مشحونة بالتوتر والفضول والشك. يطرح العمل في جوهره سؤالا عميقا حول حدود الرؤية: هل نرى الآخرين كما هم حقا أو كما نود أن نتخيلهم؟
تقع سيلفي، التي تلعب دورها إيزابيل هوبرت، في قلب القصة كامرأة تعيش على حدود العزلة والخيال. إنها كاتبة تبحث عن رواية جديدة، لكنها في الواقع تبحث عن معنى لحياتها المجزأة. من شرفتها، ومن خلال تلسكوبها، لا تراقب جيرانها فحسب، بل تشاهد أيضًا الفراغ الذي يأكلها في الداخل. تقول سيلفي في أحد مشاهدها الأكثر تعبيراً: “عندما أنظر إليهم، لا أرى حياتهم، ولكني أرى ما ينقصني في حياتي”، وهذه العبارة تلخص علاقتها بالعالم باعتبارها مادة قابلة للكتابة وليس واقعاً حياً.
ويتحطم هذا التوازن الهش مع دخول آدم، الشاب الذي يلعب دوره فنسنت كاسيل، والذي يتم تعيينه لمساعدتها في شؤونها اليومية. في البداية يبدو مجرد شخصية ثانوية، عنصر مساعد في روتين سيلفي المنعزل، لكن حضوره يتحول تدريجياً إلى قوة زلزالية تعيد تشكيل كل شيء. آدم ليس مجرد مساعد، بل مرآة غير متوقعة تعكس هشاشة سيلفي وتكشف مناطقها المظلمة، كما يقول آدم في لحظة مواجهة: «أنت لا تكتب حياتك، بل تهرب منها داخل الكتابة».
هذا التوتر بين الملاحظة والمشاركة، بين الكاتب وموضوعه الإنساني، يفتح الباب أمام لعبة سردية معقدة، حيث لم يعد واضحا من يكتب لمن؟ هل شخصية سيلفي هي التي تصنع قصة آدم أم أن آدم يعيد كتابة شخصية سيلفي؟ هذا الغموض هو ما يمنح الفيلم قوته الدرامية، ويضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي حول فعل النظر إلى نفسه وفعل التنصت على الآخرين.
في المقابل، تظهر شخصية ماري، التي تلعب دورها فيرجيني إيفيرا، بصوت أكثر واقعية وهدوءا، ولكن ليس أقل عمقا. مريم هي حلقة الوصل الخفية بين الشخصيات، وهي التي تحاول إعادة ترتيب الفوضى التي تتشكل شيئاً فشيئاً. وفي مقابلة مع سيلفي، تقول: “القصص ليست ما نراه من النوافذ، بل هي ما نفقده عندما نحدق في الآخرين لفترة طويلة”. يكشف هذا الحوار القصير البعد الأخلاقي للعمل، حيث يتحول الفضول إلى شكل من أشكال التجاوز والتلصص والخيال إلى مسؤولية ثقيلة.
ما يميز بناء الشخصيات في «القصص الموازية» هو عدم تقديمها ككيانات مستقلة، بل كشبكة من التأملات المتبادلة. تحمل كل شخصية في داخلها جزءًا من الآخر، وكأن الفيلم يوحي بأن الهوية ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار تحت ضغط النظرة والرغبة والخوف.
ومع تصاعد الأحداث، يبدأ الخيال الذي تخلقه سيلفي يتداخل مع الواقع بشكل مزعج، حتى تصبح الحدود بين الرواية والحياة شبه معدومة، عندما تقول هي سيلفي في لحظة انهيار: “كنت أظن أنني أكتبهم، لكنني الآن لا أعرف إذا كانوا يكتبون لي”. وهنا يصل الفيلم إلى ذروته الفلسفية، حيث يتحول السرد إلى مرآة مكسورة تعكس الجميع دون ثبات.
أما آدم فيكشف عن وجه آخر أكثر غموضا، فهو لم يعد مجرد موضوع للملاحظة، بقدر ما أصبح فاعلا في إعادة تشكيل القصة. ويقول في مشهد متأخر: “كل من يشاهد الآخرين يظن أنه خارج اللعبة، لكنه في الحقيقة هو أول من يكتب”. تلخص هذه الرؤية البنية الدائرية للفيلم، حيث لا أحد خارج النص، ولا أحد له سلطة نهائية على المعنى.
ينتهي فيلم «قصص موازية» من دون حل تقليدي، ليترك المشاهد في منطقة رمادية بين الحقيقة والخيال، بين من يشاهد ومن يشاهد. لا تصل الشخصيات إلى الخلاص، بل تصل إلى إدراك مؤلم أن حياتهم ليست سوى روايات متداخلة، تتشكل بقدر ما تُرى، وتنهار بقدر ما يتم شرحها.
في تفكيك فكرة السيطرة
في فيلم «قصص موازية»، تتشكل المشاهد البصرية من خلال لحظات مشحونة بالهشاشة والغموض، حيث لا تبدو المشاهد مجرد انتقالات سردية، بل نقاط انعطاف تعيد تعريف العلاقة بين الشخصيات، بين الواقع والخيال، وبين النظر وما يخفي وراءه. يركز الفيلم على التفاصيل الصغيرة باعتبارها لحظات كاشفة، مما يجعل كل مشهد علامة على التوتر الداخلي الذي يتصاعد بصمت.
منذ اللحظة الأولى للملاحظة، ومن نافذة شخصية سيلفي، حيث تقف خلف زجاجها الشفاف وتوجه منظارها نحو الشقة المقابلة، تكشف بالحركة البطيئة ميلها العميق لتحويل الحياة اليومية إلى مادة سردية. في هذا المشهد تقول سيلفي بصوت منخفض وكأنها تتحدث إلى نفسها أكثر من العالم: “من خلف الزجاج تبدو الحياة أكثر صدقاً، أو ربما أكثر قابلية للتفسير”. تلخص هذه اللحظة فلسفة الرؤية التي تحكم عالمها، حيث يتحول البعد إلى شرط للفهم، ويتحول القرب إلى تهديد للمعنى.
يعتبر مشهد دخول آدم إلى حياة سيلفي من المشاهد المهمة. ولا يدخل كحدث درامي صاخب، بل كحضور بسيط يغيّر توازن المكان. وفي مطبخها، وبين أدواتها اليومية، يظهر فجأة كعنصر غير محسوب في معادلتها المغلقة. تقول سيلفي في هذا السياق: «لم أكن أبحث عن أحد، لكن البعض يفرض وجوده وكأنه جزء من النص منذ البداية». وهنا يبدأ الفيلم في تفكيك فكرة السيطرة، ويجعل من الصدفة قوة سردية موازية للكتابة.
أما مشهد المواجهة بين سيلفي وآدم فهو من أكثر اللحظات توتراً، حيث يتحول التفاهم إلى صراع حول من له الحق في تفسير الآخر. يقف آدم في مواجهة نظرتها التي تحاول اختزاله في قصة جاهزة، ويقول بنبرة هادئة ولكن حاسمة: «أنت لا تراني، لكنك ترى ما تحتاج إلى رؤيته». وفي هذه اللحظة ينقطع الخط الفاصل بين الشخصية والموضوع، ويصبح الشخص مقاوماً لمحاولة تحويله إلى مادة خيالية.
ويمثل المشهد لحظة انهيار التلسكوب، حيث تتحول أداة المشاهدة إلى رمز لانكساره. سيلفي، التي اعتقدت أن المراقبة أعطتها السيطرة، تجد نفسها فجأة في مواجهة هشاشة أدواتها. وتقول في هذا المشهد: «ظننت أنني أرى بوضوح، لكنني كنت أختبئ خلف عدسة لا تعكس سوى خوفي». إنه يكشف عن التحول الداخلي من الفهم ومن الرغبة في المعرفة إلى التعرف على الوهم.
كما يبرز مشهد المواجهة الثلاثية بين سيلفي وآدم وماري كلحظة انكشاف كامل، حيث تتقاطع الأصوات، وتنهار الحدود بين الروايات المختلفة للأحداث، لتصبح الحقيقة نفسها موضع خلاف. وفي هذا السياق تقول ماري: «ليست المشكلة فيما حدث، بل في عدد الطرق التي يمكن رواية ما حدث بها». هنا يتحول الفيلم إلى تأمل في طبيعة السرد نفسه، وفي هشاشة الحقيقة عندما تُترك لوجهات نظر متضاربة.
في المشهد الختامي، حيث تتداخل صور النوافذ المتقابلة مع صمت طويل، يصل الفيلم إلى ذروة رمزيته، حيث لا إجابات نهائية، بل فراغ بصري يترك المتلقي أمام احتمالات متعددة. تقول سيلفي بصوت داخلي يختتم القصة: “كل نافذة هي قصة لم تُكتب بعد، وكل نظرة هي بداية محتملة لنهاية مختلفة”. هذه العبارة تلخص فلسفة الفيلم التي تقوم على التعددية والانفتاح، حيث لا ينتهي المعنى بقدر ما يكون مجزأ.
بهذه المشاهد تنجح «القصص الموازية» في تحويل الحياة اليومية إلى فضاء تأملي، حيث تصبح الرؤية/التلصص فعلاً خطيراً، ويصبح الاقتراب من الآخر مغامرة وجودية. لا تتحرك الشخصيات ضمن قصة مغلقة، بل ضمن شبكة من التأملات التي تجعل من كل مشهد سؤالاً مفتوحاً وليس إجابة نهائية.
التركيز على الرمزية والتفكير الفلسفي
رغم الإشادة التي لقيها فيلم «قصص موازية» للمخرج الإيراني الأصل أصغر فرهادي، من حيث البناء البصري والبعد النفسي للشخصيات، إلا أنه لم يسلم من مجموعة الانتقادات التي طالت بعض جوانبه السردية والفكرية، إذ يبالغ الفيلم في تركيزه على الرمزية والتأمل الفلسفي على حساب تطور الحبكة، ما جعل الإيقاع بطيئاً ويكاد يكون مملاً في بعض أقسامه وأضعف التوتر الدرامي. كما أن شخصية سيلفي، رغم عمقها، تميل أحياناً إلى النمطية في تمثيل صورة الكاتب المنعزل الذي يراقب العالم بدلاً من أن يعيشه. كما أن التداخلات بين الخيال والواقع لم يتم حلها بشكل كامل، مما قد يربك المتلقي ويجعل النهاية مفتوحة للغاية دون مبررات كافية. ومن ناحية أخرى، اتسمت شخصية آدم بأنها غامضة بشكل مبالغ فيه، حيث لم يتم منحه الخلفية الكافية لتفسير تحولاته. إلا أن فيلم «قصص موازية» يرتكز، على الرغم من هذه «الفجوات»، التي هي جزء من قصده الجمالي القائم على الغموض وعدم اليقين في خلق مشهد سينمائي يعتمد على التوتر والقلق المصاحب له.
صناعة
الفيلم لا يقدم إجابات بقدر ما يكثر من الأسئلة، وبقدر ما يترك الشخصيات والمشاهد في منطقة رمادية بين الحقيقة والخيال. تتجلى هشاشة الإنسان عندما يصبح النظر إلى الآخرين فعلا يهدد المعنى، وتتحول الحياة إلى نصوص ناقصة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الفهم. ورغم قوته البصرية وعمقه النفسي، إلا أنه يظل أسيرا للإيقاع التأملي البطيء والرمزية المفرطة التي قد تربك المتلقي. لكن قيمتها تكمن في هذا الغموض المتعمد، حيث لا نهاية حاسمة، بل إدراك أن الحقيقة ليست ثابتة، بل يمكن أن تتشكل مع كل نظرة جديدة وكل رواية مختلفة.
#المخرج #فرهادي #يخلق #متاهة #بصرية #وأسئلة #غامضة #في #قصص #موازية
المخرج فرهادي يخلق متاهة بصرية وأسئلة غامضة في «قصص موازية»
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – المخرج فرهادي يخلق متاهة بصرية وأسئلة غامضة في «قصص موازية»
المصدر : www.hespress.com
