دستور نيوز
بقلم عبادة اللادن
“أساس ميديا”
هل كان ينبغي على الليرة أن تنهار بعد حربين مدمرتين وخسائر تصل إلى ما يقارب العشرين مليار دولار؟ ويطرح الأمر بين العديد من الاقتصاديين كلغز أو كوسيلة لاتهام مصرف لبنان بتكرار خطيئة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة على مدى ثلاثة عقود.
وليس هناك أي غرابة أخرى في الأمر، والوضع اليوم لا يشبه ما كان عليه في عهد رياض سلامة. كل ما يهم هو أن تركيبة التوازنين الأساسيين اللذين يحكمان استقرار سعر الصرف، وهما الموازنة العامة والحساب الجاري، تغيرت بشكل جذري عما كانت عليه قبل عام 2020.
الفارق الجوهري هو أن انهيار 2019 نتج عن «عجز مزدوج» كلاسيكي في الرصيدين المذكورين. فعندما تقع الموازنة العامة في عجز، لا بد من وجود ما يكفي من العملة الصعبة القادمة إلى البلاد لتمويل ذلك العجز، إما عن طريق التحويلات المالية أو السياحة، وبعد ذلك كل ما يتبقى هو الاقتراض أو ابتكار أساليب لجذب الودائع بتكلفة عالية للحفاظ على تدفق الأموال من الخارج، كما فعل رياض سلامة في هندسته المالية سيئة السمعة.
قنوات استنزاف الدولار
ويتعلق الاختلاف الأساسي اليوم بثلاثة مصادر هيكلية لاستنزاف الموازنة العامة:
1- فاتورة الرواتب والأجور التي تضخمت بشكل كبير عقب سلسلة الرواتب والأجور عام 2017 وتجاوزت الستة مليارات دولار سنوياً، ما أدى إلى انفجار عجز الموازنة.
2- فوائد الدين والتي بلغت ذروتها بنحو 5.4 مليار دولار عام 2019، منها أكثر من 2 مليار دولار بالعملات الأجنبية.
3- دعم كهرباء لبنان بحوالي ملياري دولار سنويا.
وقد تم إغلاق هذه القنوات إلى حد كبير. وأدى انهيار الليرة إلى خفض فاتورة رواتب القطاع العام، التي تقلصت بنحو 60 في المئة عما كانت عليه قبل الأزمة، حتى بعد زياداتها المتتالية. خدمة الدين الخارجي متوقفة منذ مارس 2020. أما فاتورة الكهرباء فقد أصبحت عبئا على جيب المستهلك، لكنها لم تعد عبئا على موازنة الدولة، بعد إصلاح التعرفة ووقف الدعم الحكومي لاستيراد الوقود لمؤسسة الكهرباء.
فالمعادلة الآن تقوم على اقتصاد دولري بشكل شبه كامل في جميع المعاملات التي لا تكون الدولة طرفاً فيها، بينما يخضع العرض النقدي لرقابة مشددة. وبالفعل، انخفض في النصف الأول من الشهر الجاري بنحو 3.7 تريليون ليرة، وبلغ 58.6 تريليون ليرة، أي ما لا يزيد عن 655 مليون دولار، وهو رقم يعادل أقل من 6% من احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية.
ومن الناحية النظرية، فإن التهديد لهذا الاستقرار يمكن أن يأتي من أحد مصدرين: إما من خلال زيادة الإنفاق الحكومي بالليرة، مما يؤدي إلى زيادة حجم الكتلة النقدية بالليرة في أيدي الناس، وبالتالي زيادة الطلب على الدولار، أو زيادة فاتورة الاستيراد بشكل يهدد ميزان المدفوعات.
الرواتب والضرائب
في النقطة الأولى، يبدو أن هناك تغييراً في التفاهم بين وزارة المالية ومصرف لبنان. وعندما تدفع الوزارة الرواتب، يزداد عرض الليرة في السوق، لكنها هي نفسها تعقم السوق من تلك الكتلة النقدية من خلال تحصيل الضرائب والرسوم. ولذلك تتراكم الأموال في حسابات الدولة لدى مصرف لبنان وتبلغ 863 تريليون ليرة أي ما يعادل 9.4 مليار دولار. لكن هذه المبالغ تظل غير قابلة للإنفاق طالما أن الاقتصاد في “الوضع الآمن”، وأي مغامرة في زيادة المعروض النقدي يمكن أن تؤدي إلى الضغط على الاستقرار النقدي. ولذلك، فإن إبقاء الجبايات مساوية للرواتب أو أكثر ليس فقط حاجة ماسة للمالية العامة، بل أيضاً حاجة للاستقرار النقدي. كل المطالبات بأن تفتح الدولة يدها في الإنفاق لا تأخذ في الاعتبار أن الاقتصاد برمته لا يزال في غرفة العناية المركزة.
النقطة الثانية هي مصدر الخطر. وذلك لأن ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 100 دولار للبرميل يعني ارتفاع فاتورة استيراد الوقود سواء لمحطات الكهرباء والمولدات أو للاستهلاك المحلي. وإذا كانت الدولارات المحولة إلى البلد لا تعادل تلك الزيادة، فلا بد أن تنعكس على شكل عجز في ميزان المدفوعات. وحتى الآن لا يزال التوازن مستقرا للغاية. ولعل الإشارة الإيجابية تكمن في ارتفاع موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بنحو 32 مليون دولار في النصف الأول من شهر أيار الماضي، لتتجاوز 11.46 مليار دولار.
ضغط كبير بعد الحرب
وربما تكون هذه الزيادة اللغز الأكبر، حيث تؤكد كل المؤشرات أن الموارد الطبيعية من العملة الصعبة تراجعت بشكل كبير في الآونة الأخيرة في ظل الحرب الإيرانية، خاصة أن المصدر الأكبر المعتاد لتحويلات المغتربين يأتي من دول الخليج التي تضررت اقتصاداتها وتعطلت حركة السفر في العديد من مطاراتها. ومع ذلك، فإن موارد أخرى غير متوقعة قد تعوض بعض هذا الانخفاض، بما في ذلك القروض من المؤسسات الدولية والمساعدات الخارجية.
ومن المفارقات أن البلدان ذات الاقتصادات الأعمق بكثير في المنطقة تعاني عملاتها من آثار الحرب أكثر من الليرة. وينطبق هذا على مصر وتركيا والعديد من الاقتصادات الناشئة التي تعاني من تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. لكن استقرار الليرة ليس دليلاً على القوة والمرونة بقدر ما هو مؤشر على الحضيض الذي كان الاقتصاد فيه بالفعل قبل الحرب الأخيرة.
وسيكون التحدي الأكبر هو عند حساب الخسائر وبدء إعادة الإعمار بعد الحرب. عندها سيبدأ الاستنزاف، وستتعرض الليرة لضغوط كبيرة ما لم تحصل على مساعدات خارجية بحجم يعادل فاتورة الاستيراد الباهظة.
عبادة الله
#هل #سيبدأ #الضغط #على #الليرة #بعد #الحرب
هل سيبدأ الضغط على الليرة بعد الحرب؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – هل سيبدأ الضغط على الليرة بعد الحرب؟
المصدر : www.elsharkonline.com
