دستور نيوز
دكتور أسامة محيو
إن في أيام الله مواسم جعلها لعباده منارات، يعودون فيها إلى أصل فطرتهم، ويجددون عهد العبودية لله الواحد القهار. ومن أعظم هذه المواسم أيام عشر ذي الحجة، التي تنتهي بيوم عرفة، ويليه يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، وعيد الأضحى المبارك.
الحج رحلة نكران إلى الله. وهي ليست سفراً كسائر الأسفار، وليست سياحة للمتعة. إنها هجرة مؤقتة من الدنيا إلى الآخرة، ومن هموم النفس إلى نداء الطبيعة. فيقوم الحاج في وقته، ويخلع ثياب الزينة والهيبة، ويلبس إزاراً وإزاراً أبيضاً، لا فرق فيه بين غني وفقير، ولا بين عربي وعجمي. وهو الإعلان الواضح عن أن الناس متساوون كأسنان المشط أمام خالقهم.
ثم يبدأ السعي بين الصفا والمروة، ذكرى سعي هاجر عليها السلام، حين نفد الماء والزاد، ولم يبق لها إلا اليقين. وكان جزاؤها أن أجرى الله لها ماء زمزم، وجعل جهدها عبادة إلى يوم القيامة.
ويبلغ الحج ذروته يوم عرفة. يومئذ يباهي الله ملائكته بعباده قياماً في صعيد واحد، أشعثاً غبراً، يرجون رحمته، ويخافون عذابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة». وهو يوم إتمام الدين وإتمام النعمة، كما نزل فيه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}.
أما عيد الأضحى فهو قمة التسليم والعطاء. وعندما ينطلق الحجاج من عرفات إلى مزدلفة، ثم إلى منى لرمي الجمرات والذبح، تشرق الشمس على جميع المسلمين في اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم عيد الأضحى المبارك.
ويرتبط هذا العيد بقصة التضحية الكبرى، وهي قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. فلما أسلموا ونكسوا جباههم، ناداه الله: “صدقت الرؤيا”، وفداه بذبح عظيم. ومن هنا بدأت التضحية. الهدف ليس سفك الدماء بل التقوى. قال الله تعالى: “لن ينال الله لحومهم ولا دمائهم ولكن ينال الله التقوى”.
إن مناسك الحج ليست نتاج الرسالة المحمدية، بل هي تراث إبراهيمي قديم. الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس. بناه آدم عليه السلام، ثم رفع أساساته إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ليكون موضع ثواب وأمان للناس. قال الله تعالى: {وإذ بوَّينا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود}. وأعلن في الناس ليحجوا إليك رجالا وعلى كل سهل، ويأتيك من كل واد عميق.
واستمر العرب يحجون إلى البيت على دين إبراهيم، حتى دخلت عليهم الوثنية، وأدخلوا في الحج ما ليس منه. وجاء الإسلام ليعيد الحج إلى أصله التوحيدي ويطهره من رجس الشرك. وكانت حجة الوداع التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة للهجرة بمثابة إعلان عملي للشكل النهائي لهذا الركن، حيث قال فيها: “خذوا عني مناسككم”. وبذلك يكون الحج حلقة وصل بين تاريخ النبوات وخاتمتها محمد صلى الله عليه وسلم.
وإذا نظرنا إلى الحج من الناحية الاجتماعية لوجدناه أعظم مؤتمر إنساني سنوي عرفته البشرية. وفيه تذوب الفوارق الطبقية والقومية واللغوية. الأبيض والأسود، العربي والعجمي، الغني والفقير، يجتمعون في مستوى واحد، بثوب واحد، وبدعوة واحدة: “لأمرك يا الله لأمرك”. هذا المشهد يغرس في النفوس معنى الأمة الواحدة التي وصفها الله بقوله: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.
ويكمل عيد الأضحى هذه الوحدة على مستوى المجتمع المحلي. والأضحية هي بالدرجة الأولى تشريع اقتصادي واجتماعي. وأوجب الإسلام تقسيمها إلى أثلاث: ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة. وبهذه الطريقة، يضمن المجتمع عدم بقاء أي شخص جائع هناك طوال الليل في يوم العيد. ويتحول الفرح الفردي إلى فرح جماعي، ويشعر الفقير بكرامته وانتمائه. كما أن صلات الرحم، وزيارة الأقارب، وارتداء الملابس الجديدة، وتسوية الأمور بين المشاجرات، كلها مظاهر اجتماعية تجعل من العيد محطة للمصالحة وتجديد الروابط التي أضعفها اندفاع الحياة.
ومن يتأمل الحج وعيد الأضحى يجد أن الارتباط بينهما أعمق من مجرد الصدفة الزمنية. يذبح الحاج أضحيته في منى، ويذبح المسلم أضحيته في بيته. وكلاهما يكبر ويهتف. وكأن الله تعالى أراد أن تكون الأمة في دولة واحدة، فمن لم يتمكن من الوصول إلى البيت الحرام، يشارك في أفراح الحجاج ومناسكهم من مكانه.
الحج يغسل الذنوب، والأضحية تزيد الحسنات. فالحج جهاد بلا إشكال، والأضحية جهاد المال والشح. وكلاهما يعلمنا أن الإسلام دين التضحية، وأن أحب الأعمال إلى الله ما يضحي فيه الإنسان بنفسه وماله في سبيل التقرب إليه.
تمر أيام التشريق، ويطوي الحجاج خيامهم بمنى، وتسيل دماء الأضاحي في جميع المناطق، ويبقى التكبيرات معلقة بين السماء والأرض، شاهدة على موسم عظيم. فماذا بعد؟
ويبقى أن الحج مدرسة، لا شهادة فيها إلا القلب السليم. ويعود المسلم منها وقد تعلم الدرس الأصعب: كيف ينزع عن نفسه ثوب الكبر ويلبس ثوب العبودية. ويبقى أن العيد ليس جمراً يُشوى عليه اللحم، بل هو جمر توقد به نار الكرم في القلوب، فيذيب شحة النفوس على أعتاب بيوت المحتاجين.
وستبقى الكعبة قبلة الأجساد، لكنها أرادت أن تكون قبلة الأرواح أولا. وسيظل جمر منى يذكرنا بأن الشيطان لا يُرجم في العام مرة واحدة، بل يُرجم بالعدل كل يوم، ويُرجم بالصدق في كل حال.
ومن رجع من حجه وهو متقلب القلب فقد حجّت روحه قبل جسده. ومن ذبح أضحيته ونهى بها شهوته فقد حقق عيدين: عيد القرب وعيد الأجر.
يا قوافل النور العائدة من البيت العتيق، ويا من عُظّموا في المساجد والدور: تقبل الله مساعيكم وتضحياتكم، وجعل أيامكم كلها أعياد طاعة.
دكتور أسامة محيو
#الحج #وعيد #الأضحى
الحج وعيد الأضحى
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – الحج وعيد الأضحى
المصدر : www.elsharkonline.com
