دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
انعقدت قمة في بكين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج، سبقتها قمة صينية أميركية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب يومي 14 و15 مايو/أيار. وفتح هذا الباب أمام تساؤلات حول التحولات الجارية في بنية النظام الدولي: هل نواجه إحياء نمط الدبلوماسية الثلاثية، كما كانت الحال في سبعينيات القرن الماضي بين واشنطن وبكين وموسكو؟ أم أن السياق الدولي اليوم مختلف تماما، مما يجعل المقارنة مع عهد نيكسون وكيسنجر ذات فائدة محدودة؟
أولاً، إن تكرار هذه اللقاءات يتجاوز الصدفة أو الروتين الدبلوماسي. وتلعب الصين، باعتبارها قوة صاعدة وقطباً اقتصادياً وتكنولوجياً، دوراً يمكنها من التحرك بين القوى الكبرى، ليس كطرف تابع، بل كقوة قادرة على تشكيل التوازنات أو التأثير فيها. لكن هذا الدور لا يعني بالضرورة أن بكين مستعدة للانخراط في دبلوماسية ثلاثية تخدم الرؤية الأميركية، أو للضغط على موسكو فيما يتعلق بقضايا مهمة مثل أوكرانيا أو إيران.
على مر التاريخ، كانت الدبلوماسية الثلاثية بقيادة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر، إحدى الأدوات الأساسية في إدارة الحرب الباردة. وسعت الولايات المتحدة إلى الانفتاح على الصين، ليس حباً لها، بل استغلالاً للخلاف بين الصين والاتحاد السوفييتي لإضعاف الأخير ومحاصرته. تمكنت واشنطن من استغلال التناقضات الأيديولوجية والجيوسياسية بشكل فعال بين القوتين الشيوعيتين الرئيسيتين. أما اليوم فقد اختلفت المعادلة تماماً. ورغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي بين الصين وروسيا، كما هي الحال مع حلف شمال الأطلسي، فإن علاقاتهما تشهد شراكة استراتيجية تدعمها عوامل رئيسية: فكل منهما يرفض الهيمنة الأميركية ويطمح إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. ومن هنا، فإن الرهان الأميركي على فصل الصين عن روسيا يبدو بعيد المنال.
صحيح أن ترامب معروف بتوظيف الرمزية السياسية في العلاقات الثلاثية. أفاد شي جين بينغ في أبريل 2017 أنه تم شن ضربات عسكرية ضد سوريا، الحليف الوثيق لروسيا. تم تفسير هذه الخطوة على أنها رسالة مزدوجة: إلى موسكو مفادها أن ترامب لا يتأثر برغبتها في التقارب، وإلى بكين بأن واشنطن قادرة على استخدام القوة. لكن هذه الخطوة لم تؤد إلى شرخ حقيقي في العلاقات الصينية الروسية، بل أظهرت حدود المناورة الأميركية.
كما أن لإيران وأوكرانيا مكانة مركزية في فهم أبعاد التفاهمات والخلافات بين الصين وروسيا. تنظر كل من بكين وموسكو إلى السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية باعتبارها تعبيراً عن الهيمنة والتدخل. ومع ذلك، فإن الخطاب المتماثل لا يعني تطابق المصالح.
وفي الملف الإيراني، تربط الصين وروسيا علاقات وثيقة مع طهران، لكنها تختلف في طبيعتها. فبالنسبة لروسيا، تعتبر إيران شريكا استراتيجيا لمواجهة النفوذ الأميركي ومصدرا عسكريا وفنيا، خاصة في ظل الحرب الأوكرانية. وكانت تقارير غربية أشارت إلى تعاون روسي إيراني في مجال الطائرات بدون طيار. أما الصين فهي تعتبر إيران شريكا مهما في مجال الطاقة، لكنها لا تعتبرها حليفا عسكريا. علاوة على ذلك، فإن بكين، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، لا تريد أن يتصاعد الصراع في الخليج أو يهدد الملاحة في مضيق هرمز. وعلى الرغم من امتلاكها احتياطيات نفطية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل التوريد يمثلان تهديدا لمصالحها الاقتصادية.
في المقابل، قد تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، كونها من أبرز منتجي الطاقة. لكن موسكو تسعى إلى تحقيق التوازن في علاقاتها بين إيران ودول الخليج، مثل السعودية والإمارات. ولذلك يمكن القول إن إيران تمثل مساحة تقاطعات وخلافات بين الصين وروسيا، إذ يتفق الطرفان على رفض الضغوط الأميركية، لكنهما يختلفان في تقدير تكلفة التصعيد.
أما الحرب في أوكرانيا فهي من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الصينية الروسية. وحاولت الصين منذ اندلاعها الظهور كقوة مسؤولة تدعو إلى السلام، وطرحت مبادرات تشير إلى احترام السيادة ورفض العقوبات الأحادية. لكن هذه اللغة، رغم توازنها الظاهري، اعتبرتها كييف والعديد من العواصم الأوروبية أقرب إلى الخطاب الروسي. كما تتزايد الشكوك الغربية تجاه بكين بسبب التقارير التي تشير إلى دورها في تزويد روسيا بالتكنولوجيا. ورغم أن بكين تنفي دعم روسيا عسكريا، فإن التدفق المستمر للمكونات التقنية يجعلها تبدو غير محايدة في عيون الغرب.
وقد أدى هذا الوضع إلى تراجع فرص الصين في لعب دور الوسيط المقبول في الأزمة الأوكرانية. وتتطلب المبادرة ثقة جميع الأطراف، وهي مفقودة في هذه الحالة، خاصة مع التقارب السياسي والاقتصادي بين بكين وموسكو.
ولذلك، بدت دعوة ترامب السابقة للصين للضغط على روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا أشبه باختبار للنوايا أكثر من كونها مسارا دبلوماسيا عمليا. وليس لدى بكين مصلحة في إضعاف موسكو، لأنها تعتقد أن روسيا الضعيفة قد تعزز نفوذ واشنطن.
يستمر غدا
المحامي أسامة العرب
#بين #قمم #بكين #وواشنطن #وموسكو #حدود #الدبلوماسية #الثلاثية1
بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/1
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/1
المصدر : www.elsharkonline.com
