.

اراء و اقلام الدستور – في تهكمه على بعض التحليلات الغربية للأزمة اللبنانية

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – في تهكمه على بعض التحليلات الغربية للأزمة اللبنانية


دستور نيوز

بقلم نديم قطيش

“أساس ميديا”

هناك رواية عن لبنان، سطحه مليء بالرقي والتوثيق عالي الجودة والتقوى الأخلاقية والاهتمام بحياة اللبنانيين، لكن باطنه مبني على كذبة تأسيسية واسعة وعميقة لدرجة أن تفكيكه يتطلب عودة شاقة إلى المربع الأول.

تنص هذه الأطروحة، باختصار شديد، على أن لبنان دولة ضعيفة تُسحق حالياً بين فكي العدوان الإسرائيلي والضغوط الأميركية، وأن قادتها مجبرون، رغم حسن نواياهم، على التنازل عن سيادتهم تحت وطأة القوة العسكرية الإسرائيلية. أما “الحزب”، مهما عظمت عيوبه، فهو في النهاية مجرد تعبير عن مظلومية مشروعة، وهو يقوم بدور الفاعل العقلاني في الرد على الاستفزازات الحقيقية مثل الاحتلال والانتهاكات والأطماع. وهو أيضًا ممثل حقيقي لبيئة لبنانية كبرى. ويخلص السرد إلى أن طريق الاستقرار يمر حتماً بالتكيف مع هذا الواقع الذي يمثله «الحزب»، وليس القفز فوقه.

ومع ذلك، فإن كل تفصيل في هذه الرواية الملتوية يرتكز على الغياب المتعمد للسؤال المركزي الوحيد ذي المعنى: كيف كان الوضع الراهن قبل 8 أكتوبر 2023؟

ولم يكن هناك احتلال إسرائيلي للأراضي اللبنانية قبل ذلك التاريخ، إذ كانت إسرائيل قد أكملت انسحاباً شاملاً منذ العام 2000. ورغم الصدمة العنيفة التي سببتها حرب تموز 2006، التي اندلعت بقرار أحادي من «الحزب» نفسه، ونتيجة الاستثمار في ما يسمى «احتلال مزارع شبعا»، فإن آثار القرار الدولي اللاحق، أي القرار 1701، كبحت الجبهة نحو عقدين من الزمن، مما سمح باستقرار الأوضاع. المدنيين على جانبي “الخط الأزرق”، بعيداً عن المواجهات العسكرية المفتوحة.

الاستقرار هو خيار تكتيكي

لم تكن نتيجة الاستقرار نتيجة توازن الرعب المزعوم، بل كانت خياراً تكتيكياً أملته حسابات «الحزب» ومصالحه المحلية والإقليمية، لأن التكلفة الباهظة لحرب تموز فرضت مرحلة من «الاستقرار السلبي» سمحت لـ«الحزب» بإعادة بناء معاقله واستعادة ترسانته، بالتوازي مع تحول سلاحه إلى الداخل عام 2008 لتثبيت فيتو سياسي عطل قوة الدولة.

وعندما اندلع الحريق السوري في عام 2011، تغيرت أولويات الأسلحة بالكامل، بناءً على طلب طهران، مما جعل حماية نظام دمشق وتأمين خطوط الإمداد الاستراتيجية قضية لها الأسبقية على كل شيء آخر. وأصبح الهدوء على الجبهة الجنوبية ضرورة حيوية لتجنب القتال على جبهتين في وقت كانت النخبة العسكرية لـ«الحزب» غارقة في وحل القصير وحلب.

وسرعان ما أدى انفجار البنية اللبنانية فوق رؤوس الجميع بعد الانهيار المالي 2019 إلى تفاقم أسباب النأي بالنفس عن الحرب، وأجج الديناميكيات التي بلغت ذروتها في تشرين الأول/أكتوبر 2022 بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية برعاية أميركية، إذ ظهر السلاح حينها كشريك في أداة اعتراف متبادل بحدود المصالح النفطية والأمنية. والحقيقة أن تلك الأعوام السبعة عشر تشير إلى أن الجبهة كانت تدار بعقلية المنفعة البراغماتية، مما يجعل الدعوات المتواصلة للمقاومة شيئاً يتراوح بين الخطاب البناء وأداة وظيفية للحفاظ على نفوذ طهران، حتى تلاشى الوهم في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر.

البلاد على طاولة القمار

وصباح ذلك اليوم، قرر «الحزب» تنفيذاً لقرار استراتيجي إيراني، مغلف بلغة التضامن مع فلسطين، فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل. لقد فعل ذلك بمفرده، من دون استشارة مؤسسة لبنانية واحدة، ومن دون أن يطلب تفويضاً ديمقراطياً، واضعاً مصير بلد لا يحكمه، وشعباً لا يمثله، على طاولة القمار.

وأمام هذا السياق من الأحداث، تنهار فوراً العمارة الأخلاقية للسرد الغربي الذي أشرنا إليه. إن التباكي الغربي على معاناة اللبنانيين، من دون إدانة قاطعة لـ«الحزب»، يفقد أسس التضامن الإنساني، ويصبح تواطؤاً فجاً يرتدي قناع الشفقة. «الحزب» هو الذي خلق بيديه الظروف والمصائب التي يدعي اليوم أنه «يقاومها»، مما يجعل من أطروحة الاحتلال والمقاومة حلقة مفرغة بائسة تفتقر إلى أدنى مبررات للموقف الأخلاقي. أما اللبنانيون، وهم في المقام الأول أبناء الطائفة الشيعية الذين يشكلون البيئة الحاضنة لـ«الحزب»، فهم ليسوا إلا وقوداً لحسابات تصاغ في طهران، وتنفذها ميليشيا موالية لولي عهد وفقيه عابر للحدود. إن البنية الاستراتيجية لهذه الرواية لا تقل زيفاً عن جانبها الأخلاقي. فهو يتعامل مع «الميثاق والفيتو التوافقي» في لبنان وكأنه حقيقة دستورية محايدة وقاعدة إجرائية يجب على الحكومة احترامها، بما يجعل رفض «الحزب» وحركة «أمل» للمفاوضات المباشرة «قيداً مشروعاً» يجب على القادة اللبنانيين التكيف معه، وليس تحديه!

الفيتو هو مقصلة “الحزب”.

لكن هذا النقض التوافقي ليس آلية دستورية بريئة. بل هي الأداة الأقوى التي استخدمها «الحزب» لشل الدولة اللبنانية طوال جيل كامل. وفي كل مرة حاولت الدولة بسط سلطتها السيادية على الأسلحة، أو السياسة الخارجية، أو قرار شن الحرب والسلام، كان هذا النقض يتصاعد مثل المقصلة فوق عنق البلاد، متخفياً بلغة الوحدة الوطنية الزائفة.

وكم يبدو الأمر مريباً وعدم ثقة، في بعض الروايات الغربية، هو الاستهتار الذي تُعامل به خطوات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، من محاولات بسط سيطرة الجيش في الجنوب، وحظر النشاط العسكري لـ«الحزب»، وطرد السفير الإيراني، إلى المطالبة باحتكار الدولة للسلاح. ويصنفها هذا السرد على أنها “عروض دبلوماسية” تهدف فقط إلى استرضاء العالم الخارجي! يفترض هذا التحليل المتغطرس، بكل وقاحة، أن الزعماء اللبنانيين ليس لديهم رغبة حقيقية في بناء دولة ذات سيادة، وأن رغبتهم في العيش داخل “دولة طبيعية” بجيش واحد وسياسة مستقلة هي مجرد سلعة مصنعة للاستهلاك الغربي.

أما الخداع الأكبر فهو تصوير النفوذ الإيراني على أنه توازن يوازن بين الغطرسة الأميركية والإسرائيلية. ومن الأمثلة على ذلك القبول، على سبيل المثال، بكذبة أن طهران نجحت في فرض وقف إطلاق النار الذي عجزت واشنطن عن تحقيقه. مثل هذه الاستنتاجات، المدفوعة في الغالب بكراهية دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، هي في الواقع إعادة إنتاج حرفية للنظام السيئ الذي أنتج الثامن من أكتوبر في المقام الأول. تصفيق لنظام يحمل فيه القائد مفاتيح الحرب والسلام، فيما تتحول الدولة اللبنانية إلى مجرد مسرح يعرض فيه الآخرون خصوماتهم.

البناء على الرمال

مثل هذه الروايات الغربية تخشى فوضى اللحظة الراهنة، ويخشى منها لبنان أيضاً. لكن هذه الفوضى لم تكن ناجمة عن سياسات ترامب، ولم تكن مرتبطة فقط بانتهاكات إسرائيل لشروط التهدئة. بل بدأ ذلك الصباح عندما قرر «الحزب» أن غزة تستحق أن يحرق لبنان من أجلها.

ذلك الصباح له عنوان واضح وصريح، وإلى أن تتحلى النخب الغربية بالشجاعة الكافية لتسميته باسمه، فإن كل ما يقولونه ويكتبون عن لبنان سيبقى مجرد عمارة هندسية فاخرة مبنية فوق الرمال.

نديم قطيش

#في #تهكمه #على #بعض #التحليلات #الغربية #للأزمة #اللبنانية

في تهكمه على بعض التحليلات الغربية للأزمة اللبنانية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – في تهكمه على بعض التحليلات الغربية للأزمة اللبنانية

المصدر : www.elsharkonline.com

.