دستور نيوز
خالد المطلق
تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من 40 عاما تحت تأثير مواجهة مفتوحة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي مواجهة بدأت بالعقوبات ثم انتقلت إلى الاغتيالات والحروب السرية والحصار الاقتصادي والهجمات السيبرانية، وصولا إلى اشتباكات عسكرية مباشرة وغير مباشرة على ساحات متعددة في المنطقة. ورغم كل ذلك، لم تسقط إيران، ولم ينهار نظامها السياسي، ولم تتفكك مؤسساتها، ولم تنجح الضغوط الهائلة في إخراجها من المعادلة الإقليمية. بل تحولت إلى لاعب رئيسي يصعب التغلب عليه في أي ملف يتعلق بالشرق الأوسط.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تمكنت إيران من الصمود في مواجهة أكبر قوة عسكرية في العالم، تدعمها إسرائيل، التي تمتلك تفوقاً استخباراتياً وعسكرياً هائلاً؟ وأعتقد اعتقادا راسخا أن الجواب الحقيقي لا يكمن في الشعارات التي يرددها الطرفان، بل في طبيعة الصراع نفسه. نعم الصراع بلا حرب شاملة، فما يجري بين إيران وأميركا وإسرائيل ليس حرباً تقليدية بالمعنى المعروف، بل هو صراع استنزاف طويل ومعقد. والولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، تدرك أن أي حرب شاملة ضد إيران قد تتحول إلى كارثة إقليمية تهدد أمن الطاقة العالمي وتفجر المنطقة برمتها. أما إسرائيل فهي تعلم أن المواجهة المباشرة مع طهران لن تكون مثل حروبها السابقة، لأن إيران لا تقاتل. وحيداً، لكن عبر شبكة نفوذ تمتد إلى أكثر من ساحة. ومن ناحية أخرى، تدرك طهران أنها لا تستطيع الدخول في مواجهة تقليدية مع واشنطن، لذلك بنت استراتيجيتها على “الحرب غير المتكافئة”، أي تحويل ضعفها العسكري التقليدي إلى أدوات استنزاف طويلة المدى.
ومن هنا نفهم لماذا لم يتحول هذا الصراع حتى الآن إلى حرب شاملة رغم كل التصعيد. ولم تكتف إيران ببناء جيش، بل قامت ببناء مشروع نفوذ، ولا تكمن قوة إيران الحقيقية في الصواريخ والطائرات بدون طيار فحسب، بل في البنية السياسية والعسكرية التي بنتها على مدى العقود الماضية. لقد أدركت طهران مبكراً أن حماية نفسها لا تكون فقط داخل حدودها، بل من خلال توسيع دائرة نفوذها الإقليمي، فعملت على بناء تحالفات وقوى متحالفة في أكثر من دولة، ما جعل أي استهداف مباشر لها يحمل خطر الانفجار. وعلى جبهات متعددة في المنطقة، جعلت هذه الاستراتيجية تكلفة الحرب ضد إيران مرتفعة للغاية، ليس عسكريا فحسب، بل أيضا سياسيا واقتصاديا، ولهذا السبب ظلت المواجهة في حدود «الحرب المحسوبة»، حيث يتم استخدام ضربات محدودة واغتيالات وعقوبات بدلا من الغزو الشامل.
وبدا أن الرهان الأميركي الأكبر هو أن العقوبات الاقتصادية ستؤدي في النهاية إلى انهيار داخلي أو انتفاضة شعبية تطيح بالنظام. لكن الواقع أثبت أن العقوبات، رغم شدتها، لم تحقق هذا الهدف. صحيح أن الاقتصاد الإيراني تلقى ضربات عنيفة وأن التضخم والبطالة وتراجع العملة خلقت أزمات اجتماعية حقيقية. ومع ذلك، تمكنت الدولة الإيرانية من التكيف مع الحصار من خلال نموذج يعتمد على “اقتصاد الصمود”، حيث طورت إيران صناعاتها العسكرية، وبنت شبكات اقتصادية موازية، ووسعت اعتمادها على التصنيع المحلي والتحايل على العقوبات.
كما استخدم النظام الإيراني التهديد الخارجي كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج شرعيته السياسية. أي أن العقوبات أنهكت إيران لكنها لم تدفعها إلى الانهيار. إن جزءاً مهماً من قوة إيران لم يأت من سياساتها فحسب، بل وأيضاً من أخطاء معارضيها. وشكل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 نقطة تحول استراتيجية في المنطقة، حيث أدى إلى الإطاحة بأكبر خصم إقليمي لإيران وفتح الباب أمام توسيع نفوذها داخل العراق. وكذلك ثورات الربيع العربي التي ضربت عدة دول عربية بعد 2011، أتاحت لطهران فرصا إضافية لتوسيع حضورها السياسي والعسكري، وفي كل مرة تدخلت واشنطن عسكريا لإسقاط نظام ما، واجهت لاحقا أزمة أكبر: كيف يمكن إدارة الفوضى بعد إسقاط الدولة؟ وهذا بالضبط ما جعل خيار الحرب المباشرة ضد إيران يبدو أكثر تعقيدا من مجرد عملية عسكرية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإيران ليست مجرد دولة معادية، بل هي مشروع استراتيجي طويل الأمد. وترى تل أبيب أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في قدرة طهران على بناء بيئة إقليمية معادية حول إسرائيل. ولهذا السبب، اعتمدت إسرائيل سياسة تقوم على الضربات الأمنية المركزة، مثل الاغتيالات والعمليات السيبرانية واستهداف المنشآت الحساسة ومهاجمة خطوط الإمداد. لكن السنوات الماضية أظهرت أن هذه العمليات، رغم تأثيرها، لم تنجح في إنهاء المشروع الإيراني أو تفكيك قدراته بشكل كامل. وبدلاً من ذلك، أظهرت إيران قدرة واضحة على استيعاب الضربات وإعادة بناء نفسها بسرعة. لكن من الخطأ نسبياً تصوير إيران كقوة لا تقبل المنافسة، إذ تواجه البلاد أزمات اقتصادية خانقة، واحتجاجات داخلية متكررة، وتراجع واضح في مستوى المعيشة، إضافة إلى أزمة ثقة متنامية بين المجتمع والسلطات. لكن الفارق هو أن النظام الإيراني تعلم كيف يعيش وسط الأزمات وكيف يدير صراعات طويلة دون أن ينهار، وهنا تكمن قوته الأساسية.
خلاصة القول هي أن إيران لم تصمد لأنها كانت الأقوى عسكريا، بل لأنها نجحت في تحويل الصراع مع خصومها إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة. وتدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً أن الإطاحة بإيران ليست مجرد قرار عسكري، بل هي مغامرة يمكن أن تشعل الشرق الأوسط برمته. ولهذا تستمر المواجهة حتى يومنا هذا ضمن معادلة دقيقة لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. أما المنطقة فلا تزال تدفع ثمن هذا الصراع المفتوح الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#لغز #البقاء #الإيراني. #لماذا #فشلت #سياسة #كسر #العظام #في #إسقاط #طهران
لغز البقاء الإيراني.. لماذا فشلت سياسة كسر العظام في إسقاط طهران؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لغز البقاء الإيراني.. لماذا فشلت سياسة كسر العظام في إسقاط طهران؟
المصدر : www.enabbaladi.net
