.

اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/2

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/2


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

ومن الناحية القانونية، يعزز هذا المسار مبدأ الشرعية المؤسسية، بحيث تصبح الملفات المشتركة في عهدة الوزارات والإدارات المعنية، وليست رهينة القنوات غير الرسمية أو الاعتبارات الأمنية الضيقة. كما يحد من تخصيص الملفات، ويجعل التعاون مبنياً على اتفاقيات واضحة وآليات متابعة. وهنا تكمن إحدى أبرز نتائج الزيارة: إعادة العلاقة إلى إطار الدولة. فعندما تتم مناقشة قضايا النقل والطاقة والاقتصاد والحدود داخل المؤسسات ذات الصلة، فإننا نواجه نهجا حديثا يقلل من الارتباك ويعزز الشفافية والمساءلة. قد يظن البعض أن التركيز على قضايا العبور والطاقة والرسوم الجمركية يقلل من البعد السياسي للزيارة، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماما. وفي العلاقات المعقدة بين البلدان، كثيراً ما تشكل القضايا الفنية والاقتصادية النهج الأكثر فعالية لبناء الثقة السياسية.

وأظهرت المناقشات اتجاها نحو اعتماد نهج عملي لإدارة الأزمات. ويحتاج لبنان في ظل أزمته الاقتصادية والمالية إلى منافذ إقليمية تساعده على استعادة الحد الأدنى من الحيوية الاقتصادية، فيما تحتاج سوريا إلى بيئة جوار مستقرة تساهم في تنشيط النشاط التجاري والاقتصادي. ومن هنا تأتي أهمية البحث في قضايا عبور الغاز الطبيعي والربط الكهربائي وتسهيل حركة الشاحنات وتطوير العبور وتخفيض الرسوم الجمركية وإنشاء مجلس أعمال لبناني سوري مشترك. هذه الملفات ليست مفصلة، ​​لكنها مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الاقتصاد اللبناني على التنفس، وحاجة سوريا إلى إعادة ربط اقتصادها بمحيطها الطبيعي. وهكذا يتحول الاقتصاد إلى أداة إيجابية لاستعادة الثقة. كل مشروع مشترك ينفذ بشفافية، وكل اتفاق ينفذ ضمن القانون، يساهم عمليا في بناء الثقة أكثر مما تفعل الخطابات السياسية.

وعلى الرغم من أهمية القضايا الاقتصادية، تبقى القضايا الإنسانية والأمنية الاختبار الحقيقي لأي تحول في العلاقة اللبنانية السورية. ملفات المعتقلين والمفقودين والمخفيين قسرياً، إضافة إلى قضية النازحين السوريين وضبط الحدود والتهريب، كلها ملفات حساسة لا يمكن معالجتها بالإنكار أو التأجيل. إن الكشف عن مصير المفقودين بشكل خاص ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل مسألة إنسانية وأخلاقية وقانونية. لا يمكن بناء مصالحة جادة بين شعبين ودولتين دون مقاربة شجاعة لذكرى الألم، لأن العدالة تبدأ بالحقيقة، والمصالحة تبدأ بالاعتراف.

أما ملف النازحين السوريين، فهو يتطلب مقاربة متوازنة تأخذ في الاعتبار، من جهة، السيادة اللبنانية وقدرة الدولة على الصمود، ومن جهة أخرى، الكرامة الإنسانية والضمانات القانونية لعودة آمنة ومنظمة. وهذا يفرض تعاوناً مباشراً بين بيروت ودمشق، بعيداً عن الاستخدام السياسي لهذا الملف. وفي مسألة الحدود، لا ينبغي النظر إلى التعاون باعتباره تنازلاً من أي طرف، بل كضرورة سيادية مشتركة. الحدود المضبوطة تحمي البلدين، وتحد من التهريب والانفلات الأمني، وتعيد احترام سلطة الدولة.

ومن المهم التأكيد على أن الدعوة إلى “طي صفحة الماضي” لا تعني محو الذاكرة أو تجاهل الجراح، بل تعني الانتقال من التقاط الماضي إلى ترشيد الذاكرة، أي تحويل تجارب الماضي إلى دروس مؤسسية تمنع تكرار الأخطاء. وهنا بالضبط تكمن قيمة نهج الرئيس نواف سلام الذي لم يدعو إلى العودة إلى الصيغ القديمة، بل طرح مساراً يقوم على علاقة التعاون والأخوة في إطار الدولة والقانون والاحترام المتبادل. في المقابل، يعكس استعداد الرئيس أحمد الشرع لفتح صفحة جديدة وعياً سورياً بأن العلاقة مع لبنان لا يمكن أن تقوم إلا إذا خرجت من إرث الشبهات إلى أفق الشراكة المتساوية.

لكن نجاح هذه الزيارة سيبقى مرتبطا بالقدرة على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية. المعيار الحقيقي ليس الصور الرسمية أو التصريحات الإيجابية، بل مدى التقدم في تشكيل اللجان الوزارية ومعالجة الملفات الاقتصادية وإحراز تقدم في قضايا المفقودين والنازحين وضبط الحدود وتفعيل التعاون الاقتصادي بين القطاعين العام والخاص في البلدين. وإذا تحققت هذه الخطوات، فسنكون أمام تحول حقيقي في مسار العلاقات اللبنانية السورية. لكن إذا بقيت الأمور في إطار التصريحات، فإن الزيارة ستبقى ذات قيمة رمزية وليس تحولاً تاريخياً. لكن المناخ الذي رافقه وطبيعة الملفات المطروحة وشخصيتي الرئيسين، كلها عوامل تسمح لنا بالقول إن الفرصة تبدو جدية وربما نادرة.

وفي الختام، تشكل زيارة الرئيس نواف سلام إلى دمشق ولقائه الرئيس أحمد الشرع نقطة تحول يمكن أن تؤسس لنموذج جديد في العلاقات اللبنانية السورية: نموذج يقوم على السيادة لا الوصاية، على التعاون لا الجفاء، على المؤسسات لا القنوات الموازية، وعلى المصالح المشتركة لا الحسابات الضيقة. وأظهر الرئيس نواف سلام، برزانته القانونية وخبرته الدبلوماسية، القدرة على مقاربة أحد أعقد الملفات اللبنانية بعقل الدولة، فيما أبدى الرئيس أحمد الشرع استعداداً إيجابياً لفتح صفحة جديدة مع لبنان على أساس الاحترام المتبادل والتعاون المسؤول. وهذه العلاقة الثنائية، إذا استثمرها الطرفان جيداً، قد تنقل العلاقة بين بيروت ودمشق من مرحلة الإرباك التاريخي إلى مرحلة الوضوح المؤسسي.

وفي النهاية، لبنان يحتاج إلى سوريا مستقرة، كما تحتاج سوريا إلى لبنان مستقر. لا يمكن للبنان أن يتقدم اقتصادياً إذا ظلت حدوده الشرقية والشمالية مصدر قلق دائم، ولا تستفيد سوريا من لبنان الضعيف أو المتأزم. ولذلك فإن مصلحة البلدين تتطلب بناء علاقة عقلانية وشفافة، يحكمها القانون والمؤسسات. نحن اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين بيروت ودمشق، ليس كعلاقة ضرورة جغرافية، بل كشراكة سيادية بين دولتين جارتين تجمعهما المصالح والتاريخ والمستقبل. وإذا نجحت المؤسسات الرسمية في ترجمة ما حصل في دمشق إلى خطوات عملية واضحة، فإن هذه الزيارة قد تسجل بداية عهد جديد في العلاقات اللبنانية السورية، تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المسؤول والمصلحة المشتركة.

د. ابراهيم العرب

#زيارة #السلام #إلى #دمشق #نحو #مقاربة #سيادية #للعلاقات #الثنائية2

زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/2

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/2

المصدر : www.elsharkonline.com

.