دستور نيوز
بقلم جوزفين ديب
“أساس ميديا”
لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى دمشق محطة بروتوكولية في سياق العلاقات الثنائية. بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي لولادة مرحلة مختلفة تماماً في العلاقة اللبنانية السورية. مرحلة تحاول، للمرة الأولى منذ عقود، إعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أساس المساواة والمؤسسات والمصالح المشتركة، وليس على أساس الوصاية والأجهزة والنفوذ الأمني.
الزيارة التي ترأس فيها سلام وفداً وزارياً إلى العاصمة السورية والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع لمدة ساعتين كاملتين، حملت دلالات تجاوزت الملفات الفنية التي تم بحثها لتلامس جوهر التحول الحاصل في البلدين معاً: لبنان يخرج تدريجياً من مرحلة التبعية والانهيار، وسوريا الجديدة الخارجة من حرب طويلة أعادت تشكيل نظامها السياسي وأولوياتها الداخلية والخارجية.
في العقود الماضية، لم تكن العلاقة اللبنانية السورية متوازنة. ومنذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، تحولت دمشق تدريجياً إلى المرجع السياسي والأمني الأساسي في صنع القرار اللبناني، ووصلت إلى مرحلة الوصاية الكاملة في عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد، حيث تم تشكيل الحكومات وإدارة الانتخابات، ورسمت التوازنات من دمشق أكثر مما جرت في بيروت. ودفع لبنان ثمناً باهظاً لسيادته ومؤسساته وحياته السياسية نتيجة تلك المرحلة، قبل أن يبدأ الانسحاب السوري بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005، تحت ضغوط داخلية ودولية واسعة النطاق.
لكن المفارقة هي أن سوريا نفسها دخلت لاحقاً في مرحلة نزيف داخلي وحرب طويلة، وشهدت تدخلاً عسكرياً مباشراً من قبل «الحزب» في الصراع السوري، فأصبحت الجراح متبادلة، وأصبح التداخل بين الأزمتين اللبنانية والسورية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إعادة تعريف المصالح المشتركة
ولذلك فإن محاولة بناء علاقة جديدة اليوم تبدو وكأنها محاولة لإعادة تعريف تاريخ كامل من التداخل والاشتباكات والمصالح المتشابكة.
وفي هذا السياق تحديداً اكتسبت زيارة سلام أهميتها. تصريح رئيس الحكومة بعد لقائه الشرع لم يكن عادياً لا في اللغة ولا في مضمون الملفات المطروحة. الحديث عن «الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين» ليس تفصيلاً في قاموس العلاقة بين بيروت ودمشق. بل هو وصف مخالف تماماً لما حكم العلاقة لعقود من الزمن. إضافة إلى ذلك، فإن الإصرار على العمل المؤسسي من خلال اللجان المشتركة والتعاون الوزاري المباشر يعكس اتجاهاً واضحاً لنقل العلاقة من المستوى الأمني السياسي المغلق إلى مستوى الدولة مع الدولة.
وبحسب معلومات أساس الإعلامية، فإن نتائج الزيارة لن تقتصر على الإعلانات السياسية، حيث تجري الاستعدادات في الأيام المقبلة للإعلان عن مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والعملية بين البلدين، تشمل قضايا النقل والعبور والمعابر والتعاون الكهربائي والتبادل التجاري، إضافة إلى خطوات تتعلق بتسهيل حركة الشاحنات والبضائع ومعالجة العوائق الحدودية التي أنهكت الاقتصادين اللبناني والسوري على مدى السنوات الماضية.
وقالت مصادر حكومية إن اللقاء المطول بين أحمد الشرع ونواف سلام لم يقتصر على القضايا الثنائية، بل تناول التحولات الإقليمية الكبرى والتحديات المشتركة التي تواجه البلدين، من قضية الحدود والتهريب والنازحين، إلى مستقبل المنطقة في ظل التصعيد الإسرائيلي المستمر. ويدرك البلدان أن الجغرافيا تجبرهما على التنسيق مهما كانت السياسة معقدة، وأن أي اهتزاز أمني أو اقتصادي في أحدهما ينعكس فوراً على الآخر.
تحدي العلاقة مع إسرائيل
وهنا بالتحديد يبرز التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة: العلاقة مع إسرائيل. وتواجه سوريا ولبنان واقعاً مشابهاً إلى حد كبير. وجنوب سوريا لا يزال محتلاً، وجنوب لبنان يعيش تحت الاحتلال والتهديد المستمر. ويقف البلدان على حدود مباشرة مع إسرائيل، ما يجعل أي تحول إقليمي أو أمني ينعكس عليهما بشكل مباشر. ويدرك لبنان أنه سينضم إلى المفاوضات التي سبقته إليها دمشق، خاصة أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحرك المنطقة تدريجياً نحو ترتيبات أمنية جديدة تسبق أي مشروع واسع لاتفاقيات السلام الشامل.
لذلك، يبدو أن الثنائي اللبناني السوري أمام اختبار حساس يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل ضمن توازن دقيق بين الحقائق الأمنية الجديدة والثوابت السياسية التقليدية، لا سيما وأن لبنان وسوريا يتحركان اليوم ضمن المظلة العربية نفسها بقيادة المملكة العربية السعودية، التي لعبت على مدى الأشهر الطويلة الماضية دورا أساسيا في تثبيت قنوات التنسيق بين بيروت ودمشق.
وعلى مدى العام الماضي، ساهمت المملكة العربية السعودية بهدوء في الإعداد لهذه المرحلة الجديدة، من خلال استضافتها اجتماعات ولقاءات أمنية بين المسؤولين اللبنانيين والسوريين وقادة الأجهزة الأمنية، وضعت فيها أسس التنسيق المشترك وضبط الحدود ومواكبة التحولات الإقليمية المقبلة، بعيداً إلى حد كبير عن ضجيج السياسة والإعلام.
كل هذا يجعل زيارة نواف سلام إلى دمشق أكثر من مجرد زيارة ثنائية عادية، فهي تمثل محاولة لإعادة بناء العلاقة بين البلدين اللذين دفع شعبيهما أثماناً باهظة من الصراعات والتفاعلات والوصايات والحروب. لكنه يمثل أيضاً بداية مرحلة إقليمية جديدة قد تجبر بيروت ودمشق معاً على إعادة تحديد أولوياتهما السياسية والأمنية وحدود علاقتهما بالعالم من حولهما.
صحيح أن الحلول الكبرى لن تأتي غداً، وأن القضايا العالقة بين البلدين أكبر من أن تعالج في زيارة واحدة، من مفقودين ومعتقلين إلى الحدود، ونازحين، وتشابكات أمنية وسياسية، لكن ما قد يكون الأهم هو أن الطرفين يحاولان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، فتح باب جديد مختلف في الشكل والمضمون.
إنها ليست نهاية التاريخ الثقيل بين بيروت ودمشق، لكنها بالتأكيد بداية محاولة الخروج منه.
جوزفين ديب
#دمشق #بيروت #من #عصر #الوصاية #إلى #الشراكة #المتساوية
دمشق – بيروت: من عصر الوصاية إلى الشراكة المتساوية
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – دمشق – بيروت: من عصر الوصاية إلى الشراكة المتساوية
المصدر : www.elsharkonline.com
